ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.
ولفت المطران عودة، في عظة، الى أن "الرب يسوع يضعنا في إنجيل اليوم أمام كنه الحياة المسيحية حين يقول: كما تريدون أن يفعل الناس بكم، كذلك إفعلوا أنتم بهم، ثم يرتفع بنا من مجرد المعاملة الحسنة إلى المحبة التي تتجاوز الحسابات البشرية، فيقول: أحبوا أعداءكم وأحسنوا وأقرضوا غير مؤملين شيئا فيكون أجركم كثيرا وتكونوا بني العلي. فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار، فكونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم".
وذكر أن "المحبة المسيحية ليست مجرد شعور لطيف تجاه الآخرين، ولا هي مكافأة نقدمها لمن أحبنا وأحسن إلينا. فلو كانت قائمة على التبادل لما اختلفت كثيرا عن منطق العالم القائل: أحبب من يحبك، أحسن إلى من يحسن إليك، وساعد من تتوقع منه مقابلا. أما يسوع فيقول:إن أحببتم الذين يحبونكم فأية منة لكم؟ فإن الخطأة أيضا يحبون الذين يحبونهم. وإذا أحسنتم إلى الذين يحسنون إليكم فأية منة لكم؟ فإن الخطأة أيضا هكذا يصنعون. إنه يدعونا إلى محبة تتخطى مبادئ العالم لأن مصدرها ليس الإنسان الآخر، بل الله نفسه. نحن نحب لأن الله أحبنا أولا، ونعطي لأننا نعيش كل يوم من عطايا الله الذي ينعم على غير الشاكرين والأشرار".
ولفت الى أن "كلام بولس في رسالة اليوم يأتي كامتداد طبيعي لكلام المسيح على المحبة. يقول: من يزرع شحيحا فشحيحا أيضا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضا يحصد». المحبة ليست فكرة نظرية، بل حياة تزرع وتمارس وتترجم أفعالا. إن القلب المحب لا يستطيع أن يبقى مغلقا على ذاته لأن المحبة بطبيعتها تمنح نفسها وتعطي من نفسها. الرسول بولس يلفت إنتباهنا إلى أن الله لا ينظر فقط إلى ما نعطيه، بل إلى القلب الذي نعطي منه".
وشدد على أن "هذا الكلام مهم لإنسان هذا العصر الذي يعيش في عالم يعلمه أن يحسب كل شيء: ماذا سيربح؟ ماذا سينتفع من هذه العلاقة أو ذاك الفعل؟ حتى أعمال الخير قد تتحول إلى وسيلة للحصول على التقدير. وقد يصل الإنسان إلى مرحلة يخاف فيها من العطاء، لأنه يخشى أن يستغل أو ألا يقابل بالمثل. المسيح يريد تحريرنا من هذا السجن الداخلي. فحين تكون المحبة مشروطة برد الآخر تصبح تجارة. وحين يكون العطاء مربوطا بما سيكون المقابل يصبح استثمارا لا رحمة. المسيح يدعوني إلى العطاء لأنني إبن الآب، والإبن يشبه أباه".
ورأى أن "الكبرياء دفع بعض اللبنانيين إلى إدانة مواطنيهم وأذيتهم والإساءة إليهم بحجة أنهم أفضل منهم وأكثر وعيا أو وطنية أو دراية، وأنهم يمتلكون المعرفة أو الحق. لكن الجميع في عيني الرب متساوون، ولا فضل لإنسان على آخر إلا بقدر تشبهه بخالقه في التواضع والمحبة والرحمة والتضحية والوداعة والعطاء. غير أن محبة الأعداء لا تعني أن نسمي الشر خيرا، ولا أن نسمح للظلم بأن يستمر بلا حدود أو نتغاضى عن قول الحقيقة أو الدفاع عن الحق. المسيحي يستطيع وضع حد أمام من يؤذيه، والإبتعاد عن علاقة مدمرة، ورفض الظلم والعنف والحقد والقتل، لكنه لا يسمح للكراهية بأن تستقر في قلبه. المسيح لا يطلب منا أن نحب الشر، بل أن نحفظ نفوسنا من أن نصبح أشرارا بسبب الشر الذي يحيط بنا أو الذي نتعرض له".
وقال "لذلك لا يطلب منا الرب أعمالا عظيمة، بل أن نسامح شخصا، أو نزور مريضا، أو نساعد محتاجا، أو نتوقف عن الحكم على إنسان، أو نعطي من وقتنا لمن يحتاج إلى الإصغاء... قد تعتبر هذه أمورا صغيرة في أعين الناس، لكنها في ملكوت الله بذار أبدية. نحن لا نعطي لأن الله محتاج إلى عطائنا، وهو الذي أعطانا الحياة وكل ما نملك، بل لأنه يريد تحريرنا من عبودية الذات والأنانية والطمع والجشع، وجعل قلوبنا شبيهة بقلبه".
وأردف "فلنسأل أنفسنا ماذا زرعنا في حياة الآخرين؟ هل زرعنا سلاما أم اضطرابا؟ رجاء أم يأسا؟ ولنخرج من منطق الحساب، وندخل في منطق الإنجيل. لنطلب إلى الرب قلبا لا يعيش خوف الخسارة بل يحيا حرية المحبة؛ قلبا يعرف أن ما يعطى بمحبة لا يضيع، وأن الرحمة التي نزرعها في حياة الآخرين قد تكون يوما سببا لخلاصنا".























































