لبنانُ بِما هوَ، نَموذَجٌ.
وَغَيرُهُ بَحثٌ عَنِ التَحقيقِ مِن أجلِ التَثَبُّتِ مِمّا هوَ مَوجودٌ جَوهَرِيَّاً فيهِ. المُهِمُّ أن يَكونَ في ما هوَ، الأَوَّلُ والأخيرُ. فَلَيسَ مِنَ السَهلِ أن يُثبِتَ أنَّ الوجودَ في الجَوهَرِ هوَ جَوهَرُ الوجودِ... وَيَثبُتَ فيهِ. هوَ آلْما كانَ إلَّا في قِمَّةِ الوجودِ لِأجلِ قِمَّةِ الجَوهَرِ، في العُمقِ لا في إكتِفاءاتِ الزائِفِ. والتاريخُ إعلانُ إختيارِهِ، بَينَ الدَهشَةِ والرِعدَةِ، بَينَ السَعي والبُلوغِ، بِينَ القَلقِ والتَحقيقِ.
ها هوَذا عِبءُ كِيانِيَّتِهِ: أن يُعَلِّمَ أن وَراءَ الأعمَقِ الَذي فيهِ وَقَد بَلَغَهُ وَأكمَلَهُ، عُمقٌ أعمَقُ لا يُلغي الأسبَقَ بَل يُكَمِلُّهُ. يا لِكيانِيَّتِهِ! تَحقيقٌ هيَ حَتَّى في تَصارُعِها مَعَ ذاتِيَّتِها، مَعَ إمكاناتِ عَظَمَتِها في ما هيَ مَنهَجٌ وَنَفسٌ. في العَراقَةِ والإرثِ. تِنافُسٌ في سِرِّها، وَسِرُّها رؤَى العَيشِ: عَقيدَةُ الكَينونَةِ، غَزارَةُ الوَجَعِ المُفدي، قيامَةُ الشَكِّ والتَرَدُّدِ. بِكَلِمَةٍ، إلتِحامُ العَدلِ في وِحدَةِ الحُبِّ... والحُبُّ بِناءٌ.
لبنانُ النَموذِجُ، فِصحُ العالَمِ، فِداءُ العالَمِ في كُلِّ إنصِلابٍ لَهُ؟ أعجوبَتُهُ مِن شَهادَتِهِ.
لَن يأتيَ شَيءٌ مِنَ القُوَّةِ. هوَ مُشارَكَةٌ.
هوَ المِثالُ... وَشهادَتُهُ، التاريخُ الأبعَدُ.
أَلَم يَعرُض المُؤَرِّخُ (1986-1910)Roberto Sabatino Lopez حاضِرَتَي البُندُقِيَّةَ- Venezia وَجَنَوى-Genova وَريثَتَينِ لِلتَقليدِ البَحريِّ المُتَوَسِطيِّ الطَويلِ الَذي أسَّسَهُ الُلبنانِيُّونَ-الفينيقِيُّونَ، بَل مُكَّمِلَتَينِ لِلسِلسِلَةِ الحَضارِيَّةِ نَفسِها الَتي إنطَلَقَت مِن لبنانَ؟ أَلَم يَضَع المُؤَرِّخُ البُندُقِيُّ Marino Sanudo (1466-1536) في مُؤَلَّفِهِ عَن جُمهورِيَّةِ البُندُقِيَّةَ De origine, situ et magistratibus urbis Venetae (58 مُجَلَّداً)، ضِمنَ سِلسِلَةِ القِوى البَحرِيَّةِ الكُبرى، الَتي أسَّسَتها صورُ في التاريخِ القَديمِ؟ أَلَم يُقَدِّم الكاردينالُ المُؤَرِّخُ والشاعِرُ Pietro Bembo (1470-1547) البُندُقِيَّةَ جُمهورِيَّةٌ إستِثنائِيَّةٌ داخِلَ تاريخِ البَحرِ المُتَوَسِّطِ، رابِطاً عَظَمَتَها بِالبَحرِ والتِجارَةِ والأُسطولِ الحَضاريِّ، وَهيَ العَناصِرُ نَفسُها الَتي أرسَتها صورُ وَصَيدا، وَكَذا سارَ عَلى طَريقِهِ المُؤَرِّخُ وَرَجُلُ الدَولَةِ Paolo Paruta (1540-1598) في مُقارَنَتِهِ البُندُقِيَّةَ بِالحاضِراتِ-الدُوَلِ القَديمَةِ والقِوى البَحرِيَّةِ التاريخِيَّةِ: صورُ وإبنَتُها قَرطاجَةُ، وَصَيدا، مُقَدِّماً إيَّاها المِثالَ السياسِيَّ الأكثَرَ إستِقراراً بَينَ جُمهورِيَّاتِ عَصرِهِ، لِإنَّها إعتَمَدَت نِظامَ صورَ، ما يَجعَلُها أرفَعَ مُستَوىً مِن روما القَديمَةِ؟
العِشقُ الأقوى
لَم تَبنِ صورُ البُندُقِيَّةَ وَلا صَيدا جَنَوى، لَكِنَّ البُندُقِيَّةَ وَجَنَوى إرتَقَتا بِإرادَتِهِما الى مُشارَكَةِ ضِيائِهِما. وَهوَ أصلَبُ مِن مُغالَبَةِ الزَمَنِ. في صِناعَتِهِما التاريخَ، تَعَملَقَتا في وَظيفِيَّةِ المِثالِ الصورِيِّ-الصَيدونِيِّ: حاضِرَةٌ بَحرِيَّةٌ مُستَقِلَّةٌ، تَحكُمُها ديموقراطِيَّةٌ مُنتَخَبَةٌ، تَبني نُفوذَها عَبرَ التَبادُلِ الحَضارِيِّ لا العُنفِ... وَأهلُها أساساً طالِعونَ مِن وَهجِ مُقارَعَةِ العُنفِ.
أهوَ العِشقُ البانيُ دَيمومَةَ التَواريخِ الآتِيَةِ؟ في صُلبِهِ هَذا العِشقُ تَحَرُّرٌ مِن أقدارٍ. لا إنهِزامَ فيهِ أمامَ الظُلمِ المُحيطِ، إذ هوَ كانَ وَبَقيَ وَيَبقى طاقَةَ الحُبِّ الأفعَلَ مِنَ النِسيانِ، مِن فِخاخِ الحِساباتِ وَأخطاءِ الَّلاخُصوصِيَّاتِ، مِنَ العُبورِ الى الأطلالِ.
أهوَ المَصيرُ المُنقِذُ مِنَ الَّلامَصيرِ؟ Fernand Braudel (1902-1985) عَلَّامَةُ البَحرِ الأبيَضِ المُتَوَسِّطِ شَهِدَ أنَّ "بُناةَ تاريخَهِ الطَويلِ حاضِراتٌ-دُوَلٌ بَحرِيَّةٌ: صورٌ، صَيدا، قَرطاجَةُ، البُندُقِيَّةُ، جَنَوى"... بِإعتِبارِها "تَجَلِيَّاتٍ مُتَعاقِبَةٍ لِلنَمَطِ عَينِهِ". قُلّ: لِلنَموذَجِ-الهَوِيَّةِ عَينِهِ، وَمُرسيهُ المُطلَقُ لبنانُ-صورَ-وَصَيدا.
هوَ لبنانُ-النَموذَجُ، العِشقُ الأقوى. مَعقولِيَّتُهُ أنَّهُ الحُرِيَّةُ بِوَجهِ إباداتِ الحُرِيَّةِ. إنصِرافٌ الى البِناءِ لا الى إستِضعافِ ضَحايا، وَنَصبِ العُروشِ على جُثَثِها. تَجديدُ قِيامِيَّةٍ هوَ؟ بَل وَتَشيِّيدٌ مِنَ الأصدَقِ، وَإكتِسابٌ حَضارِيٌّ، لا مِن رَواسِبَ مُؤذِيَةٍ وَلا مِن طَهاراتٍ مُنتَهَكَةٍ.























































