اختار الكاتب في صحيفة "نيوزويك" توماس موكوشير (وهو قاض متقاعد وكاتب)، عنوان "النفط أولاً... منطق ترامب في الحكم"، للحديث عن طريقة تفكير الرئيس الاميركي الحالي وما الذي يؤثر على القرارات التي يتخذها، وفي ما يلي ترجمة "النشرة" الالكترونية للمقال:
إذا أردت البحث عن خيط مشترك واحد يمتد على طول فترة إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، فستجد خيطاً طويلاً ومراوغاً: النفط، فهو يرتبط السياسة الخارجية والداخلية لترامب كما ترتبط الغيوم بالمطر. ويأتي قرار التراجع عن معايير استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات كأحدث مثال على أن كل شيء يتعلق بالنفط. يقول ترامب إن الأمر يتعلق بخفض أسعار السيارات والشاحنات، لكن، في حال كنت واحداً من آخر الناس على وجه الأرض الذين لا يعرفون ذلك، فإن هذا الرجل بعيد وغريب عن الحقيقة.
هذا القرار يتعلق في الحقيقة بالحفاظ على هيمنة شركات النفط على المستهلكين الأميركيين. ووفقاً لتقرير لمكافحة الفساد قاده السيناتور الديمقراطي شيلدون وايتهاوس، (ولاية رود آيلاند)، ضخّت شركات النفط لترامب - بين مساهمات الحملات الانتخابية وتبرعات حفل التنصيب- 220 مليون دولار قبل توليه منصبه. وكما يوضح التقرير، لا يزال الرئيس الحالي يردّ الجميل منذ ذلك الحين، من خلال تعيين موظفين سابقين في قطاع النفط في 26 منصباً رفيعاً في الإدارة، وإلغاء حوافز ضريبية ومنح للطاقة المتجددة، وإنفاق أكثر من 1.6 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب لإلغاء مشاريع طاقة الرياح. ووفقاً لوايتهاوس، فإن مشاريع الرياح التي أُلغيت تترك أسعار الكهرباء في الشبكات المعتمدة على الوقود عند نحو 18 سنتاً لكل كيلوواط/ساعة، بدلاً من كهرباء الرياح التي تبلغ تكلفتها نصف هذا المبلغ للكمية نفسها. فمن يدفع الفارق؟ والأمر لا يقتصر على النفط المحلي. فترامب يفضّل في الواقع تقديم العروض لصالح حكام النفط في الشرق الأوسط، الأكثر وضوحاً في فسادهم. وقد جنى ثمار افكاره، اذ منحته قطر طائرة بقيمة 400 مليون دولار، مقابل ضمان أمني أحادي وقاعدة عسكرية في الولايات المتحدة. وبعد أن أطلقت منظمته العام الماضي ملعب غولف جديداً في السعودية بقيمة مليار دولار، جاء المقابل سريعاً.
ففي الوقت الذي أنفقت فيه الولايات المتحدة نحو 40 مليار دولار في "مغامرة" لإبقاء إيران غير نووية، أعلن ترامب، بعد نحو شهرين عن حدث ملعب الغولف، عن اتفاق لمساعدة السعودية على تطوير الطاقة النووية. وجاء ذلك بعد أن وافق أيضاً على بيع المملكة مقاتلات F-35 شديدة الحساسية. وكان الأمر مماثلاً تقريباً مع الإمارات العربية المتحدة، حيث موّل شقيق الرئيس الاماراتي مشروع الرئيس الاميركي للعملات المشفرة بمبلغ 500 مليون دولار. وبعد أشهر قليلة من هذا الاستثمار، وافقت الادارة الاميركية على بيع الإمارات تكنولوجيا شديدة الحساسية للرقائق الإلكترونية، رغم التحذيرات من ذلك.
ولم تقتصر سياسات ترامب المدفوعة بالنفط على التجارة والدبلوماسية أيضاً. فقد تسللت بشكل قاتل إلى دوره قائداً أعلى للقوات المسلحة. ولم تكن المغامرة الصغيرة في إيران مجرد تنفيذ لما تريده إسرائيل، تذكروا ما سبقها. فقد أصيب بالصدمة، نعم بالصدمة، عندما اكتشف أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كان مهرباً رئيسياً للكوكايين، وأن ما يرتكبه بحق الأميركيين يستحق رداً عسكرياً.
وبالطبع، ربما تكونون قد نسيتم كل ذلك الآن، لأننا نعرف اليوم أن الهجوم على ذلك البلد كان، كما خمنتم، من أجل النفط. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات النفط غير المستغلة في العالم. ومنذ أن بدأت الحكومة الأميركية ممارسة الضغط على ذلك البلد، جمعت الولايات المتحدة أكثر من 13 مليار دولار من مبيعات النفط الفنزويلي. وربما عاد إلى فنزويلا مبلغ لا يتجاوز 300 مليون دولار من هذه الأموال. فأين ذهب الباقي؟ لا يبدو أن أحداً يعرف على وجه اليقين. المهم بالنسبة إلى ترامب هو أن الأمر بدا وكأنه عملية استحواذ جيدة جداً. لذلك حاول القيام بعملية أخرى.
من يملك ثالث أكبر احتياطيات نفطية في العالم، مباشرة بعد حلفاء ترامب المدللين من السعودية؟ نعم، إنها إيران. وبعد نجاحه في الاستيلاء على النفط الفنزويلي، كان من الممكن رؤيته وهو يتطلع بشغف إلى إيران. وفي الواقع، بدأ ترامب يتطلع إلى النفط الإيراني منذ وقت طويل، إذ اقترح الاستيلاء على النفط الإيراني لأول مرة عام 1987، في مقابلة مع باربرا والترز على شبكة ABC.ومنذ أن شن الحرب، ظل الأمر يتكرر بإيقاع ثابت، يتناوب مع انفجاراته الدورية حول إبادة الحضارة الإيرانية. ففي نيسان، كان يصرخ عبر الإنترنت: "خذوا النفط، واجنوا ثروة".
وفي تموز، قال إن الولايات المتحدة ستتولى "السيطرة الكاملة" على صناعة النفط الإيراني، وستستولي على محطة النفط الرئيسية فيها، في جزيرة خرج. لسوء الحظ، يبدو هذه المرة أنه يضخ من بئر جافة. يبدو أن أحداً نسي أن ينقل إليه نصيحته السابقة بأن "الحروب الأبدية" التي خاضتها الولايات المتحدة في تلك المنطقة لم تسر على ما يرام، إذ فشلت في تحقيق الاستقرار للمنطقة، وكلّفتها 8 تريليون دولار. وربما كان إغراء المزيد من ذلك "الذهب الأسود" الملقب بـ"شاي تكساس" أكبر من أن يقاومه.






















































