لا يمكن النظر إلى الإعلان عن تفعيل "حلف مكة"، بعد الاجتماع الذي عُقد قبل أيام، بعيدًا عن التطورات التي سُجلت في الساحة اليمنية في الأيام الماضية. نظرًا إلى أنها فرضت نفسها على الدول الأعضاء: السعودية وتركيا وباكستان، لإثبات جدية الخطوة من الناحية العملية.
في الصورة العامة، لا تزال هذه الدول تأمل أن يؤدي الإعلان إلى إعادة فتح قنوات الحل الدبلوماسي من جديد، خصوصًا أنها لا تريد الدخول في صراع تدرك تداعياته الكبرى على المستوى الإقليمي. لكن في المقابل، فإن الفشل في تحقيق النتائج المطلوبة قد تكون له تداعياته المهمة أيضًا.
في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أن إسرائيل، بعد التطورات العسكرية على الساحة اليمنية، أعادت تقديم نفسها بوصفها المظلة القادرة على تأمين الحماية الأمنية لدول الخليج العربي. حيث برزت الدعوات إلى فتح قنوات الاتصال مع الرياض، من أجل مساعدتها في مواجهة الخطر الذي تتعرض له. إلا أن الأخيرة لا تزال تراهن على وجود بدائل عن هذا الخيار، تأتي على رأسها "حلف مكة"، لا سيما أنها تسعى إلى تحويل الأزمة، المرتبطة بالسيطرة على ممر باب المندب، إلى قضية عالمية لا قضية خاصة بها فقط.
انطلاقًا من ذلك، ينبغي فهم ما أُعلن بالنسبة إلى "تحالف مكة"، حيث تم الاتفاق على البدء فورًا بتنفيذ التزامات الدفاع المشترك وتوفير القوات والقدرات العسكرية ونشرها سريعًا في السعودية. بينما أشار وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى أن اجتماع لجنة الحلف "أكد وقوف دولنا صفًا واحدًا لمواجهة الاعتداءات الآثمة التي استهدفت المملكة، وتفعيل ردع جماعي ضد هذه الاعتداءات".
في هذا المجال، من الضروري التوقف عند ما أعلنه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي لفت إلى أن "الاجتماع بحث بصورة شاملة أنواع الدعم التي يمكن تقديمها للدفاع عن السعودية في ضوء التطورات المرتبطة باليمن، إلى جانب مناقشة سبل حل القضية اليمنية بالطرق السلمية ومن خلال الحوار". ما يؤكد أن أبواب الحل الدبلوماسي لا تزال مفتوحة. وهو ما ينسجم مع ما كان قد كشف عنه وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، قبل الاجتماع، من حيث البحث في مقترح للانخراط السياسي مع حركة "أنصار الله" بدلًا من الخيار العسكري، إثر نهج اقترحته إيران لمعالجة الأزمة.
ما تقدّم يقود إلى أن الساحة اليمنية هي الاختبار العملي الأول لهذا التحالف، لمعرفة ما قد يفرضه من توازنات على الساحة الإقليمية، التي لا تزال تعيش مخاض إعادة بناء نظامها الأمني من جديد، نتيجة التحولات التي فرضت نفسها في السنوات الماضية، لا سيما بعد الحرب على إيران. فأعضاء هذا الحلف، الذين كانوا قد أكدوا في أكثر من مناسبة أنه غير موجه ضد أي دولة في المنطقة، يدركون جيدًا أنهم يخوضون تنافسًا مع كل من إيران وإسرائيل معًا. وبالتالي، فإن أي فشل في تحقيق أهدافه سيعني نجاحًا بالنسبة إلى المحاور الأخرى المنافسة، بل سيفرض على أعضائه البحث عن خيارات بديلة عنه.
هنا، تبرز السعودية بوصفها المعني المباشر بهذه المواجهة أكثر من تركيا وباكستان، نظرًا إلى أنها العضو الذي يحتاج إلى المساعدة من باقي أعضاء الحلف الجديد. مما يفتح الباب أمام السؤال عن التداعيات التي من الممكن أن تترتب على الرياض في حال لم تكن تلك المساعدات بالحجم المطلوب للانتصار في المعركة، أو في حال الفشل في تحقيق الأهداف المرجوة من المعركة التي أعلنت. باعتبار أن الرياض ستكون عندها أمام خيارات صعبة تفضل عدم الوصول إلى لحظة البحث فيها.
في المحصلة، ما يمكن التأكيد عليه اليوم هو أن المواجهات على الساحة اليمنية هي اختبار جدي لـ"حلف مكة"، إذ سيتبين، بناءً على حجم تجاوب باقي الأعضاء مع الحاجات السعودية، إمكانية الرهان عليه من الناحية العملية في المستقبل، خصوصًا بالنسبة إلى معادلة التوازنات التي يُعاد رسمها على المستوى الإقليمي.























































