بغض النظر عن خلفيات إعادة تحريك ملف قانون الانتخاب في هذا التوقيت بالتحديد، والتي انقسمت الآراء بشأنها، يوجد تخوّف كبير من أن يأتي أي تغيير محتمل لقانون التصويت والانتخاب على حساب الأقلية المسيحية، لجهة جعلها مجددًا في موقع العاجز عن انتخاب ممثليها بأصوات ناخبيها. ماذا في التفاصيل؟
بداية، لا بدّ من التذكير أنه في التاسع من آذار الماضي، مدّد مجلس النواب اللبناني لنفسه لسنتين إضافيتين، بحيث صارت ولاية المجلس تنتهي في 31 من أيار 2028، بدلًا من 21 أيار 2026. وقد دخلت بعد ذلك الحماسة الانتخابية في سبات عميق، لتعود وتصحو فجأة خلال الأيام القليلة الماضية، بُعيد معاودة اللجنة الفرعية المكلفة البحث في قانون الانتخاب عملها.
صحيح أن الكثير من الجهات كانت تطالب في السابق بعدم ترك البت بتحديث قانون الانتخاب للأسابيع والأشهر الأخيرة من موعد تنظيم الانتخابات، لكن الأصح أن هذا المطلب كان يُرفع في أجواء طبيعية، وليس في ظروف استثنائية كتلك التي نعيشها في لبنان حاليًا، وعلى مستوى المنطقة ككل. وليس بسرّ أن كل الملفات الداخلية مجمّدة في المرحلة الراهنة، في انتظار معرفة الخيط الأبيض من الخيط الأسود بالنسبة إلى مستقبل الشرق الأوسط برمّته.
وفي كل الأحوال، توجد شكوك جدية عن نية جهات سياسية داخلية، وتحديدًا "الثنائي الشيعي"، العمل على تغيير القانون الانتخابي القائم حاليًا. على أن ينطلق النقاش نحو هذا الهدف، من مجموعة طروحات التعديل المرفوعة راهنًا، ومن مطلبي انتخاب المغتربين واعتماد الميغاسنتر، قبل التوسع في الأفكار مستقبلًا والمطالبة بشكل مشدد بتطبيق بنود "اتفاق الطائف" الداعية إلى توسيع الدوائر الانتخابية، لمحاولة استمالة جهات سياسية تحبذ هذه الفكرة، من دون أن تكون مصنفة في خانة "الثنائي" على صعيد التموضع السياسي الداخلي العام. ومنها مثلًا "تيار المستقبل" الذي يستعد للعودة إلى ممارسة النشاط السياسي. ومن غير المستبعد أن يتصاعد في المرحلة المقبلة التلويح بألا انتخابات إلا في ظل قانون جديد، بعد شن حملات إعلامية منظمة للنيل من القانون الحالي.
يُذكر أن مطلب توسيع الدوائر بالتحديد يُصنف بكونه سيفًا مسلطًا فوق رأس الأقلية المسيحية، التي تقضي مصلحتها الانتخابية بتصغير الدوائر للحفاظ على صحة التمثيل، وليس في توسيعها. ولا بدّ من الإشارة إلى أنه حتى في القانون القائم حاليًا، والذي يعتمد نظام النسبية والصوت التفضيلي، يوجد ما بين 10 إلى 14 مقعدًا مسيحيًا موزعة على دوائر ذات أغلبية إسلامية ساحقة، بحيث تعجز الأصوات المسيحية عن ترجيح كفة الفائز، ويصبح الصوت المسلم، سواء الشيعي أو السني، هو المرجعية الحاسمة في اختيار النائب المسيحي الذي يشغل المقعد.
ويمكن في هذا السياق أن نذكر دوائر يطغى فيها الصوت الشيعي مثل دائرة الجنوب الثالثة (النبطية، بنت جبيل، مرجعيون–حاصبيا)، علمًا أنها تضم مقعدًا للروم الأرثوذكس في مرجعيون، ودائرة الجنوب الثانية (صور والزهراني) التي تضم مقعدًا للروم الكاثوليك في الزهراني، ودائرة البقاع الثالثة (بعلبك–الهرمل) التي تضم مقعدًا للموارنة. أما المقاعد المحسومة بالصوت السني بشكل كبير، فهي تتركز في دائرة الشمال الثاني (طرابلس، المنية، الضنية) والتي تضم مقعدًا للروم الأرثوذكس ومقعدًا للموارنة، ودائرة الشمال الأولى (عكار) التي تضم بدورها ثلاثة مقاعد مسيحية (مقعدان للروم الأرثوذكس ومقعد للموارنة).
وفي دائرة بيروت الثانية، تطغى أصوات الأغلبية السنية إضافة إلى الحضور الشيعي على أربعة مقاعد مسيحية لكل من الأرثوذكس، والكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس، والإنجيليين. ويتأثر مقعد الموارنة ومقعد الروم الأرثوذكس في دائرة البقاع الثانية (البقاع الغربي – راشيا) بالتنوع الإسلامي (سني، شيعي، درزي).
وأي تنازل عما تحقق في القانون الانتخابي الأخير، بذريعة الترويج لشعارات الوحدة الوطنية وتقديم الانتماء الوطني على الطائفي، سيزيد تراجع نفوذ الأقلية المسيحية السياسي. لأن كل الجماعات الطائفية والمذهبية في لبنان ازدادت تعصبًا وانغلاقًا على الصعيدين السياسي والاجتماعي خلال العقود القليلة الماضية، بعكس كل ما يُشاع.
والإثبات الدامغ على هذا المنحى يكمن في أرشيف مراكز تحليل نتائج الانتخابات بشأن اتجاهات "الصوت التفضيلي" في مختلف الدوائر، والتي صبت بشكل ساحق لصالح الصوت الطائفي والمذهبي، من قبل أغلبية الناخبين!وبالتالي، فإن الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية من النصوص يجب أن يسبقه إلغاؤها من النفوس، وهو أمر لم يحصل حتى تاريخه.
وليس بسرّ أنه بفضل تقسيم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية واعتماد النظام النسبي مع الصوت التفضيلي، استطاع الشارع المسيحي استعادة القدرة التقريرية على اختيار أغلبية نوابه، مقارنة بالقوانين الأكثرية السابقة، التي كانت تضع مصير عدد أكبر بكثير من المقاعد المسيحية رهنًا بالكتل الناخبة الكبرى من الطوائف الأخرى. ومحاولة تغيير قانون الانتخاب لا تقتصر على العودة إلى سياسة خنق الصوت المسيحي فحسب، بل تطال أسس النظام اللبناني.
وفي هذا السياق، في حال نجاح الخطة القاضية بتحريك ملف قانون الانتخاب بشكل فعلي وشامل، سيتم الانتقال إلى مرحلة ثانية تقضي باستبداله كليًا وليس بتعديله فحسب، تمهيدًا لإعادة تبديل التوازنات السياسية القائمة في البلاد حاليًا. وهذا المسار يمكن أن ينجح عن طريق إغراء جهات سياسية عدة تفضل القوانين التي لا تعوّل على الصوت الطائفي، واستمالتها إلى جبهة "الثنائي" من جديد. ومن غير المستبعد إقناع "تيار المستقبل" بهذا المسار. والاحتمالات تشمل "الحزب التقدمي الاشتراكي" في حال حصوله على ضمانات تحفظ حصته في المقاعد الدرزية.
في الخلاصة، إن تحريك ملف قانون الانتخابات يتجاوز مسألة التعمية على مطلب سحب السلاح غير الشرعي، ويهدف إلى إعادة خلط أوراق التوازنات السياسية الداخلية التي تغيّرت خلال العهد الحالي. ومهمة القوى الحزبية المسيحية كلها مضاعفة، لجهة التمسك بحقوق التمثيل المسيحي المنصف في أي قانون انتخابي مقبل، بموازاة منع العودة إلى الحقبة السياسية السابقة.