تتزايد الدعوات اللبنانية والخارجية، خصوصًا في الآونة الأخيرة، إلى أن يأخذ الجيش اللبناني المبادرة وينتقل من سياسة الاحتواء التدريجي إلى مواجهة حزب الله ونزع سلاحه بالقوة. من يستمع إلى هذه الدعوات من خارج لبنان، ومن خارج الخصائص اللبنانية، يرى الأمر بسيطًا جدًا: دولة تريد تنفيذ قرارها باحتكار السلاح، والجيش هو أداتها الطبيعية، وحزب يرفض التخلي عن ترسانته. لكن هذه الصورة تخفي تناقضًا أكبر: كيف يُطلب من الجيش أن يخوض معركة بهذا الحجم، فيما لم تُجهَّز بعد الشروط العسكرية والسياسية التي تجعله قادرًا على خوضها؟
لا تكمن المشكلة الأساسية في رغبة الجيش أو عدم رغبته في المواجهة، بل في طبيعة المهمة التي يُطلب منه القيام بها. فالجيش الذي يتم دفعه لنزع سلاح قوة منظمة ومتمرسة، وفرض سيطرة الدولة على كامل الأراضي، وحماية الحدود في الوقت نفسه، يحتاج إلى قدرات عسكرية واستخبارية وردعية تتناسب مع هذه المهمة. أما التعامل معه كقوة أمنية كبيرة مهمتها ضبط الداخل، ثم مطالبته بخوض مواجهة استراتيجية، فهو التناقض الصارخ الذي يزيد من ضياع بوصلة الوجهة التي عليه اتباعها. وهنا تظهر المفارقة الإسرائيلية.
القوى التي تضغط باتجاه تقوية الجيش في مواجهة الحزب لا تبدو، في الوقت نفسه، مستعدة بالضرورة لرؤية جيش لبناني يمتلك كامل الأدوات التي تجعله قوة دفاع حقيقية في مواجهة إسرائيل، أي حماية الحدود الجنوبية، وحتى الشرقية أيضًا. التفسير السائد كان الخوف من انتقال الأسلحة إلى حزب الله (على الرغم من أنه تم دحض هذه الذريعة أكثر من مرة على مدى العقود السابقة)، لكن هذه الحجة تفقد جزءًا مهمًا من معناها إذا كان الهدف المعلن هو إنهاء قدرة الحزب العسكرية أصلًا. والسؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحًا هو: إذا أصبح الجيش القوة المسلحة الوحيدة في لبنان، فما المبرر لاستمرار وضع سقف على مدّه بأسلحة نوعية تمكّنه من القيام بواجبه كاملًا كما ينادي به البعض في الداخل وكل الخارج؟
من هنا، تبدو مسألة القوة الدولية البديلة عن اليونيفيل شديدة الدلالة. فوجود قوة دولية يمكن أن يساعد الجيش ويمنحه مساحة زمنية لتثبيت حضوره، ويحد من احتمال عودة الفوضى. لكن إذا كانت وظيفتها الأساسية منع الحزب من إعادة بناء قوته، بينما تبقى إسرائيل محتفظة بحرية العمل العسكري وبمواقع داخل الأراضي اللبنانية، فإنها لن تكون قوة لحماية لبنان بالمعنى الكامل، بل قوة لإدارة التوازن القائم ومنع فريق لبناني محدد من تغييره. وستتحول بسرعة فائقة إلى "يونيفيل" جديدة تراقب وترفع تقارير من دون أي قدرة فعلية على التحرك. وهذا يخلق معادلة غير متوازنة: على الدولة اللبنانية أن تكون صاحبة القرار الأمني، لكن يُمنع عنها الحصول على كل أدوات السيادة العسكرية. ويُطلب من الجيش أن يحمي الحدود، فيما يبقى الفريق الآخر قادرًا على اختراقها متى رأى ذلك ضروريًا.
تبدو الدعوات المتكررة إلى الجيش كي "يستلم المبادرة" ويواجه حزب الله، من الداخل أو الخارج، مبالغًا فيها بقدر ما هي غير مسؤولة في توقيتها وصياغتها. فالجيش لا يحتاج إلى من يدفعه إلى معركة لا يملك شروطها، بل إلى من يوفر له شروط النجاح فيها وفي المهمة الأوسع التي أُوكلت إليه. وإلا تحولت هذه الدعوات إلى فخ: إن لم يتحرك، أصبح موضع تشكيك، وإن تحرك، وضع نفسه في مواجهة داخلية شديدة الخطورة، فيما يبقى معرضًا للاستهداف الإسرائيلي من دون امتلاك القدرة الكافية على الردع أو الرد.
ليس المطلوب التراجع عن مبدأ حصرية السلاح، الذي يبقى موضع شبه إجماع لبناني، ولكنه مطلب أساسي، بل إعادة صياغة الخطاب: دعم الجيش في توسيع سلطة الدولة، وتحصينه سياسيًا وعسكريًا، وتسليحه بما يكفي للدفاع عن الحدود، بالتوازي مع إنهاء الاعتداءات التي تقوّض مهمته. فالجيش لا يحتاج إلى اختبار الولاء، فالوفاء أساسي في شعاره، ولا يحتاج سوى إلى تأمين التجهيز والدعم اللازم له للقيام بمهمته على أكمل وجه.






















































