فور استلام النتائج الرسمية لانتخابات الكنيست الأربعاء 4 تشرين الثاني، يباشر الرئيس الإسرائيلي ​إسحاق هرتسوغ​ عقد سلسلة من اللقاءات الفردية والمنفصلة مع ممثلي وقادة الكتل البرلمانية المنتخبة في الكنيست، للاستماع إلى توصياتهم بشأن الشخصية التي يقترحونها لتشكيل الحكومة المقبلة. وبموجب القانون المعتمد في إسرائيل، يمتلك الرئيس مهلة مدتها سبعة أيام، أي تنتهي هذه المرة بحلول الحادي عشر من الشهر الحالي، لإتمام المشاورات واتخاذ قراره بتكليف العضو الأكثر قدرة على تشكيل الائتلاف. فمن هي الشخصية التي يرجّح أن تقود إسرائيل في المرحلة المقبلة؟

بداية، لا بدّ من التذكير بأن حزب "الليكود" بقيادة ​بنيامين نتنياهو​ نال 27 مقعدًا ليكون الحزب الأوسع تمثيلًا في الكنيست، في حين نال حزب "يشار" برئاسة ​غادي آيزنكوت​، والذي حلّ في المركز الثاني خلف الليكود، 21 مقعدًا. وأظهرت النتائج النهائية حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، وهو رقم يجعله الائتلاف الأكبر بالفعل مقارنة بكتلة المعارضة بقيادة آيزنكوت الذي جمع من جهته 48 مقعدًا. أي أن أيًّا منهما لم يتمكن من الوصول إلى الحد الأدنى للأغلبية المطلوبة والتي تبلغ 61 مقعدًا، في حين برز من خارج السياق تقدم ​الأحزاب العربية​ بحصولها على 19 مقعدًا.

ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أن رئيس الدولة الإسرائيلية الحالي هرتسوغ غير ملزم قانونًا بتكليف رئيس الحزب الأكبر أو رئيس الائتلاف الأكبر. حيث إن المعيار الأساسي للرئيس في اختيار إحدى الشخصيات يتمثل بمدى قدرتها عمليًا على تشكيل ائتلاف يحظى بثقة ما لا يقلّ عن 61 عضوًا في الكنيست. وفي كل الأحوال، يُعطى المرشح المكلف بتشكيل حكومة جديدة مهلة أساسية مدتها 28 يومًا لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديدها لمدة تصل إلى 14 يومًا إضافيًا عند الضرورة. وفي حال الفشل، يتم مبدئيًا تكليف شخصية أخرى للقيام بمحاولة مماثلة وتُمنح مدة تبلغ 28 يومًا لتشكيل الائتلاف الحكومي، من دون الحق بأي تمديد. بعد ذلك، يعود مسار التكليف إلى مجلس الكنيست نفسه، حيث تُتاح مهلة مدتها 21 يومًا لأعضائه لتقديم طلب موقع من أغلبية 61 نائبًا على الأقل، لتكليف أي عضو كنيست يختارونه بتشكيل الحكومة، ويُمنح هذا الأخير 14 يومًا فقط لتشكيل الحكومة من دون أي تمديد. وفي حال فشلت كل هذه المحاولات ولم يتم تشكيل حكومة، يُحلّ الكنيست تلقائيًا وتتجه إسرائيل إلى انتخابات مبكرة جديدة تُجرى في غضون 90 يومًا. وبالنسبة إلى السيناريوهات المطروحة في ظل الواقع القائم والقوانين الإسرائيلية المرعية الإجراء، يمكن توقع ما يلي:

أولًا: إعادة تكليف بنيامين نتنياهو مهمة تشكيل الحكومة المقبلة، لكنه يحتاج إلى دعم 8 أعضاء في الكنيست على الأقل من خارج تحالفه الأساسي، وهو سيواجه صعوبة كبيرة في ذلك، تصل إلى مرحلة شبه الاستحالة بحسب التموضعات السياسية القائمة.

ثانيًا: تكليف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت باعتباره يملك فرصة نيل دعم أصوات من أحزاب عرب إسرائيل التي تريد إبعاد نتنياهو وفريقه عن السلطة بأي ثمن. لكن احتمال التنسيق بين المعارضة الصهيونية والأحزاب العربية يواجه تعقيدات سياسية كبيرة، ولا يلقى أي تأييد من جانب الأغلبية العظمى من الإسرائيليين اليهود. وبالتالي، فإن لجوء آيزنكوت أو أي شخصية أخرى إلى هذا الخيار لا يبدو ميسّرًا، حتى لو اكتفت القوى العربية بمنح الحكومة المقبلة أصواتها دون المشاركة فيها مباشرة.

ثالثًا: حصول ضغط كبير من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيًا ينتهي بجمع حزبي نتنياهو وآيزنكوت في حكومة وحدة وطنية واحدة. لكن شروط تحقيق ذلك صعبة من قبل الفريقين، علمًا أن قادة الحزبين يرفضان المشاركة في حكومة واحدة، حتى لو جرى التوافق على تولّي كل من نتنياهو وآيزنكوت منصب رئاسة الحكومة بالتناوب لفترة زمنية محددة.

رابعًا: قيام الرئيس الإسرائيلي بتكليف شخصية سياسية تحظى بقبول أوسع وأقل استقطابًا من المعسكرين، منها ربما رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ​أفيغدور ليبرمان​، أو ​يائير لبيد​، أو أي شخصية تُقدَّم بكونها توافقية، لتشكيل حكومة طوارئ وطنية مخصصة لتنفيذ برنامج عمل محدد يركّز على الأمن والاقتصاد. لكن هذا الاحتمال مستبعد، في ظل ترسخ الانقسامات الداخلية وتقدم المصالح الشخصية على مستوى الكثير من القيادات الإسرائيلية الحالية، ناهيك عن الظروف الأمنية الدقيقة في الشرق الأوسط ككل.

خامسًا: نجاح أي من قادة المعسكرين الرئيسيين في استقطاب عدد من النواب من خارج معسكره، أي من الائتلاف المنافس، عبر استمالتهم بإغراءات تتضمن مناصب وزارية مثلًا. لكن هذا السيناريو مستبعد بدوره، بسبب حدة الانقسامات والولاءات العمياء.

وانطلاقًا مما سبق، يوجد احتمال كبير أن تذهب إسرائيل إلى انتخابات مبكرة للكنيست، على أن يتحدد موعدها تبعًا لمجريات محاولات تشكيل حكومة جديدة. علمًا أن الموعد الأقرب المحتمل هو بحدود نهاية شباط أو مطلع آذار 2027. وخلال الفترة الفاصلة، يمكن تغيّر الواقع الحالي، وتبدّل الأولويات كلها، في حال اندلاع حرب شاملة مع إيران مثلًا. عندها سيكون بإمكان نتنياهو الاستفادة من التطورات للدفع نحو تشكيل حكومة طوارئ مؤقتة، قد تضم شخصيات من المعسكر المنافس بذريعة أن أمن إسرائيل ومصلحتها القومية يتقدمان على التنافس السياسي الضيق!

في الخلاصة، الخيارات مفتوحة على مصراعيها في انتظار وضوح الصورة أكثر. لكن الأكيد أن الانقسامات الإسرائيلية الداخلية في ذروتها في هذه المرحلة، دون وجود أي أغلبية عددية لأي جهة، ما يعطي أرجحية أعلى للذهاب نحو إفشال محاولات التشكيل، تمهيدًا للذهاب إلى انتخابات مبكرة للكنيست، بعد استنفاد جهود التأليف.