لفهم الرئيس الحالي لحكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا يكفي النظر إلى سياساته الراهنة أو إلى إصراره على امتلاك القوة باعتبارها ضمانة لأمن الشعب اليهودي. فثمة مفارقة فكرية تستحق التوقف عندها: كيف يجتمع الاعتقاد بأن الجماعة يجب أن تصنع مصيرها بيدها، من دون الاتكال على الآخرين، مع تصور القائد نفسه بوصفه صاحب مهمة تاريخية خلاصية؟ لفهم هذه المفارقة، قد يكون من المفيد العودة إلى دون إسحاق أبرابانيل، المفكر اليهودي ورجل الدولة الذي عاصر طرد اليهود من إسبانيا عام 1492، والذي خصّه بن تسيون نتنياهو، والد بنيامين، بدراسة تناولت علاقته بالمسيحانية والواقع السياسي.
كان أبرابانيل رجل دولة قريبًا من البلاط الإسباني، وشهد تصاعد الإجراءات المعادية لليهود قبل صدور مرسوم طردهم. وتذكر روايات تاريخية أنه حاول التدخل لدى الملكين فرديناند وإيزابيلا لمنع الطرد، لكنه أخفق. وفي الوقت نفسه، احتلت قضية المسيح المنتظر والخلاص مكانة مهمة في فكره. وتكشف تجربته عن مفارقة تاريخية: قد يدرك الإنسان الخطر، ويمتلك المعرفة والنفوذ، ويسعى إلى مواجهته، لكنه يعجز عن منع الكارثة عندما تكون القرارات الحاسمة في أيدي الآخرين.
لم يكن أبرابانيل نموذجًا للانتظار السلبي؛ فقد مارس السياسة وسعى إلى التأثير في الأحداث. لذلك، لا تكمن دلالة تجربته في المفاضلة بين الإيمان والعمل، بل في حدود القدرة السياسية على حماية الجماعة من قرارات لا تملك السيطرة عليها. لقد جمع بين السعي إلى التأثير في الواقع والإيمان بالخلاص، لكن جهوده لم تمنع الطرد. وتطرح تجربته سؤالًا عن حدود النفوذ السياسي حين يكون مصير الجماعة مرهونًا بقرارات قوى أخرى.
هنا تكتسب دراسة بن تسيون نتنياهو أهمية تتجاوز السيرة التاريخية. فقد تناول أبرابانيل من زاوية العلاقة بين المسيحانية والواقع السياسي، وربط، في تحليله، بين رؤيته الروحية والمسيحانية وموقفه من التاريخ والعمل السياسي. ووفقًا لما يعرضه المؤرخ إريك لاوي في دراسته عن مسيحانية أبرابانيل، رأى بن تسيون في أفكار أبرابانيل أحد مصادر النزعة التي وصفها بالعزلة الروحية والمسيحانية الصوفية لدى قطاعات من يهود أوروبا. وقد كتب بن تسيون في أعقاب المحرقة وقيام الدولة العبرية، في سياق فكري شدّد على كلفة افتقار اليهود إلى القوة في الشتات وفلسطين. وهكذا التقت دراسته التاريخية باهتمام أوسع بموقع القوة في حماية الجماعة، من دون أن يثبت ذلك أنه قصد تقديم أبرابانيل درسًا مباشرًا لابنه في صناعة المصير بالقوة.
وتتضح بعض ملامح رؤية الأب للعالم في شهادة إيال أراد، المستشار الاستراتيجي السابق لبنيامين نتنياهو. ففي مقابلة مع برنامج "PBS FRONTLINE" نُشرت عام 2016، تحدث أراد عن التأثير الفكري العميق لبن تسيون في ابنه، مشيرًا إلى أن نتنياهو تبنّى تصورًا عن عالم معادٍ لا يمكن الركون إليه لضمان أمن اليهود، وعن ضرورة أن يتولوا حماية أنفسهم وأخذ مصيرهم بأيديهم.
تساعد هذه الشهادة على فهم أثر الذاكرة التاريخية في رؤية نتنياهو للأمن، لكنها لا تثبت أن تصوره السياسي استند تحديدًا إلى كتاب والده عن أبرابانيل. والأدق أن نقرأ العلاقة بين الشخصيات الثلاث بوصفها مدخلًا لاستكشاف كيفية انتقال قراءة الماضي إلى التصور السياسي، وكيف يمكن لتجارب الاضطهاد أن تسهم في تشكيل فهم القيادة للأمن والقوة ومخاطر الاعتماد على الآخرين.
غير أن شهادة أراد تتضمن مفارقة أكثر تعقيدًا؛ فقد وصف نتنياهو بأنه يحمل تصورًا مسيحانيًا عن نفسه، باعتباره شخصًا مدعوًّا إلى إنقاذ الشعب اليهودي من محرقة جديدة. وهذا الوصف، الذي يعود إلى أراد، يفتح بابًا لقراءة التوتر بين فكرتين: رفض انتظار منقذ خارجي، والاعتقاد بأن القائد نفسه يؤدي مهمة تاريخية استثنائية. ففي هذه الحالة، لا يعود الخلاص حدثًا منتظرًا يأتي من خارج التاريخ، بل يصبح مشروعًا يرى القائد أنه قادر على تحقيقه من خلال الإرادة السياسية وامتلاك القوة.
ولا يعني ذلك أن كل سعي إلى امتلاك القوة يحمل بالضرورة نزعة مسيحانية، أو أن الدفاع عن الذات يقود حتمًا إلى الصراع. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الذاكرة التاريخية للاضطهاد من مصدر لفهم الماضي إلى اعتقاد دائم بأن الكارثة وشيكة، وأن الخطر يحيط بالجماعة في كل زمان ومكان. عندئذ قد تصبح هذه الذاكرة إطارًا لتبرير استمرار المواجهة وتوسيع استخدام القوة، بدلًا من أن تكون حافزًا للبحث عن أمن مستدام. وقد تتحول محاولة منع الأخطار إلى سياسة تنتج أخطارًا جديدة، فتغدو القوة التي يُفترض أنها وسيلة لحماية الوجود عاملًا في إدامة المواجهة.
من هذا المنظور، لا تتعلق المقارنة بين أبرابانيل ونتنياهو بشخصيتين تفصل بينهما خمسة قرون فحسب، بل بالعلاقة بين الذاكرة التاريخية والقوة السياسية. واجه أبرابانيل خطرًا لم يستطع منعه، رغم مكانته وتحركاته السياسية وإيمانه بالخلاص، بينما تضع شهادات المقربين من نتنياهو امتلاك القوة وعدم التعويل على الخارج في صلب رؤيته للأمن. ولا تثبت الشواهد المتاحة وجود تأثير فكري مباشر لأبرابانيل في بنيامين نتنياهو، لكنها تتيح مقارنة تكشف التوتر بين السعي إلى حماية الجماعة والاعتقاد بأن القائد يؤدي مهمة تاريخية استثنائية.
فصناعة المصير لا تعني امتلاك التاريخ، كما أن السعي إلى منع تكرار مآسي الماضي لا يضمن عدم إنتاج مآسٍ جديدة. وقد تتحول القوة، حين تتجاوز حدود الدفاع إلى فرض المصير على الآخرين، إلى مصدر للخطر الذي يُفترض أنها جاءت لمنعه. وهنا تكمن المفارقة: بين صناعة المصير وانتظار الخلاص، قد يجد القائد نفسه لا في موقع من يتحكم بالتاريخ، بل في قلب نتائج لا يستطيع التحكم بها.






















































