عندما نقارب مسألة انسحاب اليونيفيل من جنوب لبنان، لا بدّ أن تكون المقاربة مبنية على التأثير الحقيقي في التوازنات الأمنية التي تحكم المنطقة الجنوبية. فمع الانسحاب يبرز احتمال الانتقال إلى مرحلة تصبح فيها إدارة المواجهة مع إسرائيل أكثر ارتباطًا بالتوازنات السياسية والعسكرية المباشرة، وأقل خضوعًا لآليات المراقبة الدولية.
إذ إن المسألة أبعد بكثير من فكرة من سيحل مكان الجنود الدوليين، وتتصل بشكل أساسي بهوية "مدير الأمن"، أي معرفة من سيحدد مسؤولية الأطراف عن الخروقات، وكيف ستُدار الحوادث الحدودية، وما إذا كان لبنان سيحتفظ بمرجعية دولية يستطيع الاستناد إليها في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
شكّل إعلان "اليونيفيل" بدء انسحابها التدريجي بعد انتهاء مهمتها في 31 كانون الأول المقبل مسارًا كان متوقعًا، إذ يستند إلى القرار 2790 الصادر عن مجلس الأمن عام 2025، والذي حدد مهلة عام لاستكمال الانسحاب. لكن أهمية الإعلان خلال الساعات الماضية تأتي من اقتراب موعد التنفيذ من دون اتضاح طبيعة الآلية التي ستتولى مراقبة الوضع جنوبًا، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، وتستمر الخلافات حول تنفيذ القرار 1701 والترتيبات الأمنية المطلوبة.
واللافت، بحسب مصادر سياسية متابعة، أن القرار الدولي الذي أنهى مهمة "اليونيفيل" لم يلغِ القرار 1701، بل أعاد التأكيد على ضرورة تطبيقه، بما في ذلك انسحاب القوات الإسرائيلية وبسط سلطة الدولة اللبنانية. وهنا تظهر مفارقة ينبغي التوقف عندها: فالمجتمع الدولي يتمسك بالإطار القانوني لتنظيم الوضع جنوبًا، لكنه يستعد لسحب إحدى أبرز الأدوات التي تساعد على مراقبة تنفيذه، من دون أن يكون قد حسم بعد شكل البديل.
وتضيف المصادر عبر "النشرة": "صحيح أن القوات الدولية لم تتمكن طوال السنوات الماضية من منع الاعتداءات الإسرائيلية أو فرض تنفيذ القرارات الدولية، إلا أن وجودها أدى وظيفة تتجاوز الانتشار العسكري، من خلال توثيق التطورات الميدانية ورفع التقارير إلى الأمم المتحدة، والحفاظ على قنوات اتصال بين الأطراف. وبالتالي، فإن غيابها قد يضعف إحدى الوسائل التي يستطيع لبنان استخدامها لتثبيت الوقائع وتقديم روايته أمام المؤسسات الدولية".
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى ضمان حرية التحرك العسكري ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله قرب الحدود. ولذلك فإن أي ترتيبات جديدة بالنسبة إليها تنطلق من هنا، وتبحث حدود الصلاحيات الإسرائيلية، وما إذا كانت ستبقى مرتبطة بآليات مراقبة دولية، أم تتحول إلى إجراءات أحادية تفرضها إسرائيل تحت عنوان حماية أمنها. وهذا ما تسعى إليه إسرائيل اليوم.
أما لبنان، فهو مطالب بتوسيع انتشار الجيش وتعزيز سلطة الدولة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى ضمانات تحول دون تعرض قواته ومواقعه للاعتداءات، وإلى دعم عسكري ولوجستي يسمح له بتنفيذ مهماته. ومن هنا، تكتسب النقاشات الجارية في مجلس الأمن حول ترتيبات ما بعد "اليونيفيل" أهمية استثنائية. فالفارق كبير بين إنشاء آلية دولية مستقلة لمراقبة الخط الأزرق ورفع التقارير، وبين الاكتفاء بتنسيق أمني يخضع لموازين القوى والضغوط السياسية.
























































