لم يكن مستغرباً، كلام نائب رئيس الهيئة الخارجية في مقاطعة عين العرب إدريس نعسان، عن أن الأكراد يتجهون إلى إعلان النظام الفيدرالي في المناطق الخاضعة لسيطرتهم في شمال سوريا، لا سيما أن الحرب في هذا البلد أفرزت، بعد مرور خمس سنوات على إنطلاقتها، العديد من التوازنات والمفاهيم الجديدة، التي لم يكن من الممكن إلا أن تتحول إلى أمر واقع في نهاية المطاف، خصوصاً أن الجماعات الإرهابية نجحت في تحقيق الهدف المطلوب منها، أي دفع جميع الأفرقاء إلى إعتماد الخيارات الأكثر تطرفاً على المستويين الإجتماعي والسياسي.

حتى الساعة، لا تستطيع أي جهة حسم إمكانية نجاح المشروع الفيدرالي في سوريا، خصوصاً أن هناك قوى إقليمية فاعلة، أبرزها تركيا وإيران، تعارض هذا التوجه، بسبب تداعياته المحتملة على أوضاعها الداخلية، لكن من الواضح أن الجهات الدولية، لا سيما الولايات المتحدة والإتحاد الروسي، لا يعارضانه على الإطلاق، بل باتا يعتبران أن وجوده قد يحقق مصالحهما في منطقة توصف بأنها "قلب العالم"، وبالتالي تقسيم دولها، المقسمة أصلاً بموجب إتفاقية سايكس-بيكو، على أسس مذهبية وعرقية يفسح المجال أمام إبقاء السيطرة عليها سنوات طويلة.

في هذا السياق، ليست الصورة القائمة، في الوقت الراهن، إلا مرحلة ضمن المشروع الكبير، الذي بدأ منذ العام 2006 بالظهور، عبر الحديث الأميركي عن مشروع الشرق الأوسط الجديد، لكن الترجمة العملية له بدأت مع الحرب السورية، بعد أن كانت نظيرتها العراقية قد نجحت في إخراج كل الإفرازات المناسبة له، من إعطاء الأكراد الحق في تشكيل إقليمهم الخاص هناك، وصولاً إلى رفع مستوى الخطاب المذهبي والطائفي، عبر هجمات مسلحة تولّت التنظيمات القيام بها، بالتزامن مع أخطاء فادحة على صعيد ممارسات حكومة بغداد المركزية، التي قدمت كل الأسباب الموجبة لتوسيع إنتشار النزعة الإنفصالية في البلاد.

منذ سقوط بغداد، في العام 2003، كانت كل الأنظار تتجه نحو دمشق، الدولة المركزية التي دفعت ثمن رفضها مقترحات وزير الخارجية الأميركية كولن باول، من خلال تفجير أوضاعها الداخلية بعد فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان، في شهر تموز من العام 2006، في تحقيق أهدافه، حيث تم إعادة إنتاج التجربة العراقية عبر إستدعاء الجماعات الإرهابية، لا سيما تنظيم "داعش"، لإشعال الفتن المذهبية والعرقية، وصولاً إلى إنضاج فكرة إنشاء الإقليم الكردي شمال سوريا، بعد تقديم كل أشكال الدعم لقوات "حماية الشعب" لمواجهة هجمات على مدينة كوباني، التي تحولت من خلال الضخ الإعلامي المستمر إلى "أسطورة"، مع العلم أن الجميع لا يزال يُصر في العلن على الإبقاء على البلاد موحدة.

في هذا الإطار، كانت الخطوات الفعلية لتطبيق خيار سوريا الفيدرالية قد بدأت من خلال العمليات العسكرية التي قامت، بعد تشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، على قاعدة تقاسم النفوذ مع الآخر الذي تقوده روسيا الإتحادية، وكان فيها الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" أساس المواجهة مع الجماعات الإرهابية، ليأتي الطرح الفيدرالي، بصورة مبهمة على لسان مسؤول روسي، قبل أيام قليلة من إعلان سحب القوات الرئيسية من البلاد، ومن ثم عبر مسؤول كردي بعد يوم واحد عن بدء تطبيقه عملياً، في حين إختار رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو، في الفترة الفاصلة، الذهاب إلى طهران للتأكيد على رفض الدولتين هذا الخيار، وهو الموقف نفسه الذي تتبناه دمشق بشكل مطلق، خصوصاً أن الرئيس بشار الأسد كان قد أكد في السابق، الإستمرار في المواجهة حتى إستعادة السيطرة على كل المدن والبلدات.

في حقيقة الموقف، تحوّلت المعركة، منذ أشهر طويلة، إلى عنوان وراثة الجماعات الإرهابية، بين مجموعة واسعة من القوى المحلية والإقليمية والدولية، والأكراد اليوم يريدون حجز موقعهم في اللعبة السياسية مسبقاً، عبر الإتحاد الفيدرالي في شمال سوريا، بانتظار معرفة مصير باقي المساحات التي يسيطر عليها كل من "داعش" و"النصرة"، وهو ما كانت الأوساط الإسرائيلية أول من خرج فيه إلى العلن، عبر التأكيد بأن هذا الخيار أصبح أمراً واقعاً لا عودة عنه في المستقبل، لتصبح سوريا أمام خيارين واضحين: توافق إيراني تركي على تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة، أو ترجمة التوافق الأميركي الروسي عبر إستكمال المشروع الفيدرالي في المرحلة المقبلة.

في المحصّلة، المخاض السياسي في المنطقة، في الوقت الراهن، أخطر من الذي شهدته على المستوى العسكري على مدى السنوات السابقة، لكن النتائج التي قد تترتب عليه لا تزال غامضة، لا يمكن في ظل الظروف الراهنة توقعها.