عند المفاصل الاستراتيجية الأخيرة في ​سوريا​ تستنفر القوى اللاعبة في مسرحها رافعة درجات التأهب والاستعداد في سباق محموم على حسم الصراع لصالحها، الا ان ما حُصد في سبع سنوات لا يمكن حصده اليوم في فترة قصيرة. من هنا فإن الفصل الاخير من الازمة السورية لن يكون على صورة ومثال فصول الازمة السابقة،اذ تتسارع التعزيزات العسكرية بشكل نافر بين المحورين الاميركي والايراني فيما اللاعب الروسي يقف على كتف رأس النظام ضابطاً لايقاع التحركات، معولاً على تجميع أوراق تفاوض قد تكون مناسبة لسحب فتيل الانفجار وضمان الحفاظ على الحد الادنى من المكتسبات في المنطقة انطلاقا من سوريا.
هذا الواقع قد يطول، وقد تطول ارتداداته على واقع دول الجوار، وبالأخص ​لبنان​ حيث العين الدولية مفتحة بشكل كبير، سيّما على أبواب استحقاق انتخابي كشفت خطابات بعض الاطراف الداخلية المنخرطة فيه السقف الذي يجري تأسيسه للمرحلة المقبلة والقائم على الأمن الاستباقي قبل السقوط بضرب قاضية من خارج الحدود. وفي هذا الاطار ظهر خطاب جديد لـ "​حزب الله​" حاملا برنامجا اقتصاديا واجتماعيا قائما على ​مكافحة الفساد​ والقضاء على الهدر وذلك في خطوة متقدمة في ادائه السياسي الداخلي نحو الانخراط بشكل أوسع في البنيان المؤسساتي لكيان الدولة وتحقيق نتائج فيه، بما لذلك من مؤشرات على استشعار الحزب لتخلخل في قاعدته الشعبية المقاومة بعد استنفاد جدوى الخطابات وبروز الحاجة للاستعانة بأسلحة جديدة قادرة على استقطاب مؤيدين جدداً تكون كفيلة في تعزيز حصانته وشرعيته وقراراته بشكل نوعي في مواجهة أي قرار خارجي عقابي مستقبلي.
بالمقابل، افتقر خطاب رئيس ​تيار المستقبل​ ​سعد الحريري​ للنضوج السياسي والذي بدا واضحا في اعلانه الانتخابي لمرشحيه في المناطق لاسيما في عكار وطرابلس، معتمدا عنوان "مواجهة لوائح حزب الله و​النظام السوري​" لحملته الانتخابية، في حين بدا ان صلب المواجهة في خطاباته اقتصر على مواجهة ومحاربة قوى أخرى رفضت الانضواء في لواء حرسه كما ترفض الإنضواء في أي حرس آخر مختارة لنفسها ان تكون هي "الحارس" لناخبيها. الامر الذي شكل دليلا واضحا على ضيق رقعة المشروع السياسي للتيار الازرق في بناء الدولة والذي بدا ان اهدافه محصورة فقط في احتكار حزمة من المقاعد النيابية على ان يبقى القرار السياسي للبلد متروكا تحت خيمة ورعاية "صهاريج اطفاء" القوى الخارجية المتأهبة عند نداء الواجب، وهذا ربما ما اكدته مواقف وممارسات الحريري السياسية المائلة وفقا لما تميل المصلحة، وقد برزت بشكل واضح مع انتخابه حليف حزب الله رئيسا للجمهورية ونسج تحالف استراتيجي مع تياره، واجتماع وزراء حكومته مع قيادات ووزراء النظام السوري دون تسجيله أي معارضة، الى لقائه الموفد الايراني ووصف الموفد للقاء بالايجابي، الجيد والبناء معتبرا أن "تشكيل حكومة ائتلافية بين 14 و8 آذار يشكل انتصار ونجاحا للشعب اللبناني"، الى اعتراف الحريري بدور حزب الله السياسي في لبنان وان سلاحه لا يستخدمه على الاراضي اللبنانية، مبدلا مصطلح نزع سلاح حزب الله بمصطلح الاستراتيجية الدفاعية، الى زيارته موسكو ولقائه الرئيس بوتين والارتياح الذي عبر عنه لمستوى العلاقات السياسية معها وتأكيده رغبته في رفع العلاقات الثناية في المجال الاقتصادي والتعاون العسكري الى حد تحديد التوجهات الاستراتيجية لهذا التعاون مقدما لموسكو في آن "لبنان" كمنصة لاعادة اعمار سوريا بدون تسجيل اي تحفظ حتى ولو على الحصانة الروسية الممنوحة للرئيس السوري ​بشار الاسد​.
امام هذا المشهد، يبدو ان نتائج السابع من ايار لن تكون كما قبله، اذ سيكون لها انعكاسات جد هامة على الساحة الداخلية اللبناني، لاسيما لجهة المفاجآت التي ستحملها للقوى السياسية من فشل بعضها في أداء المهمة وتضييع لآخر الفرض، الى دخول البعض منها في مرحلة المواجهة الحقيقية داخليا خارجيا ويبدو ان ملفاتها قد شارفت على الانتهاء.