قيل الكثير عن اقتراع اللبنانيين في بلاد الانتشار. الخطوة في حد ذاها مهمّة، فهي وفّرت على كثيرين عناء السفر للإقتراع في لبنان وأشركت من كان يغيب عن الاستحقاق الانتخابي بسبب بُعد المسافة، أو ضرورات العمل، أو كلفة السفر أو عدم الاهتمام... وفيما يتساءل البعض عن سبب قلّة الاعداد التي تسجّلت في الخارج، حيث تسجّل في دول الخليج ومصر مثلا نحو 12 ألف مقترع من أصل 400 ألف، ثم عن سبب اقتراع نحو نصف من تسجّل، فإن لذلك إجابات عدة منها: عدم إطلاق حملات إعلامية كافية لحضّ الناخبين في الخارج على تسجيل أسمائهم في السفارات والقنصليات. عدم توجّه المرشحين لزيارتهم وعرض برامجهم عليهم وعدم اعطائهم وقتا كافيا للتسجيل ومتابعة إجراءاته، لمعرفة ما إذا كان التسجيل ورد وفقاً لأحكام القانون وتعليمات وزارة الداخلية... إن عملية تسجيل الاسماء حصلت قبل تشكيل اللوائح وعندما حان موعد الاقتراع وجد البعض أنه غير موافق على بعض التحالفات الهجينة التي تشكّلت بين بعض الأحزاب والتيارات السياسية، وفقا لمصالح انتخابية ظرفية. معلوم أنه بموجب قانون النسبية، على الناخب ان يقترع للائحة ككل ولا يمكنه تشكيل لائحته الخاصة أو تشطيب ما لا يوافق على انتخابه، كما كان يحصل في القوانين السابقة. كذلك وجد آخرون أن لا تأثير لصوتهم في الانتخابات كما هو الحال بالنسبة للمسيحيين والسُنّة في معظم دوائر الجنوب باستثناء دائرة جزين-صيدا. يُضاف الى امتناع البعض عن الانتخاب أسباب لوجيستية ومنها: تأخر وصول لوائح الشطب المُصحّحة من قِبَل وزارة الداخلية وتأخر مراجعتها، وتأخر وصول بعض الجوازات الجديدة أو هوية جديدة أو صدور أحكام قضائية سابقة بحق بعض الناخبين حالت دون حقّهم في الاقتراع...

من المتوقع أن تشهد الانتخابات النيابية في الدورات المقبلة حماسة اكبر لأنه سيكون هناك مرشّح في البرلمان عن كل قارة وتاليا سيشعر المُنتشرون بحماسة أكبر لتنظيم أنفسهم أكثر، للمشاركة ليس فقط في انتخاب مرشّحين في وطنهم الأم، إنما للترشّح ولانتخاب مرشحين من بلاد الانتشار، لتمثيلهم في البرلمان اللبناني. تجدر الإشارة الى أن عدد اللبنانيين في الخارج يفوق أعداد المقيمين في الداخل وهذا يعني أنه مع الوقت قد يتحكّم الناخبون في الخارج في انتخاب البرلمانات المقبلة في لبنان، لا بل في تغيير التركيبة السياسية المتوارثة في لبنان في السلطتين التنفيذية والتشريعية، بالوسائل الديمقراطية والتي عجز ناخبو الداخل عن تبديلها. إن جو التغيير هذا، شعر به من شارك في المجمع البطريركي الماروني، وأنا منهم، الذي انعقد بين عامي 2003 و2006 في دير سيدة الجبل في لبنان، حيث تبيّن أنه مع ازدياد أعداد هجرة الموارنة الى الخارج استدعت الحاجة الى سيامة أساقفة أكثر للرعايا في بلاد الانتشار، لدرجة بات معه عدد أساقفة الانتشار، أكبر من عدد أساقفة الداخل، وتالياً بات لهم الرأي الراجح في انتخاب البطريرك الماروني. وإننا في هذا المجال نُشير على سبيل المثال الى أن أعداد اللبنانيين في الولايات المتحدة تربو على المليون ونصف مليون لبناني، من بينهم أكثر من نصف مليون ماروني، لديهم مطرانان واحد في بروكلين والثاني في لوس أنجلس وأكليريكية لتدريس اللاهوت في واشنطن. استطاع موارنة الولايات المتحدة إيصال مطران من مواليد أميركا هو الاسقف المتقاعد بوب شاهين. هذا في الولايات المتحدة فما بالكم بالوجود اللبناني في أميركا اللاتينية حيث أعداد اللبنانيين في البرازيل وحدها تربو على الستة ملايين، وهم مُنظّمون في جمعيات ونوادٍ تُشكّل لوبي قوي في الانتخابات البرازيلية لدرجة أنه غالباً ما تتشكل حكومات يكون نصف وزرائها من أصل لبناني.

وبالعودة الى الانتخابات البرلمانية، نلاحظ أن الناخبين لن ينتظروا الانتخابات المقبلة، لإيصال عدد من المرشحين الآتين من بلاد الانتشار الى الندوة البرلمانية ومنهم أسعد درغام المرشح عن المقعد الأرثوذكسي في قضاء عكار، الذي لديه حظوظ كبيرة بالفوز، وهو من بين اللبنانيين-الكنديين المقيمين في أوتاوا منذ عقود، والمرشح عن المقعد الماروني في دائرة جبل لبنان الرابعة (الشوف –عاليه) اللبناني-الأميركي الدكتور فريد بستاني الذي عاد بعد 40 عاما مع عائلته من الولايات المتحدة ليخوض غمار الانتخابات مُعلناً سلفاً انه سيتبرع براتبه، في حال فوزه في الانتخابات، الى جمعيات خيرية.

هل يأتي التغيير المنتظر في بلاد الأرز من أبنائه المُقيمين في بلاد الانتشار؟ إن الغد لناظره قريب.