ألَّفوها... أوْ لم يؤلِّفوها، تآلفوا أو اختلفوا، ألّف اللهُ بينهم، أو لم يؤلِّف... لا يهُمّ..

يعكفون على التأليف بالتسويف، ويعصرون نباهة الأدمغة كأنهم يؤلَّفون إلياذة هوميروس وملحمة حرب طروادة.

ألِّفوها... أو لَنْ يؤلِّفوها،لا يهُمّ، حتى ولو تجمدّ بها الزمن، أو استغرقتْ رحلتها كرحلات إبن بطوّطة، نحواً من ربع قرن...

إنتَظَروا... أو هُمْ ينتظرون: إنتهاء ​الحرب السورية​، أو الحقائب الدبلوماسية، أو الكلمات السرّية، فلينتظروا... وليبقَ، الهرُّ في نظر الفأر هو الأسد.

يحلّون العقدة الدرزية أو تحلُّهم، يحلّلونها أو يحرّمونها، لا يهمّ، فلتبقَ بهم معقّدة، وليبقوا بها معقّدين ومُقْعَدين...

«يتعاملون مع تفاهم ​معراب​ على أنه لائحة طعام» أو لائحة وزراء ونواب، ويتسابقون على أكل اللحم عملاً بقول ​كارل ماركس​.. «إن الحضارة ليست سباقاً بين الذين يأكلون لحماً أكثر...»

ولكن... من قال إن ​الحكومة​ تؤمِّن إستقراراً وراحة بال أفضل من اللاَّحكومة... بالاّحكومة لا مشاحنات ولا مواجهات ولا أصوات وزراء في السرايات كأنها أصوات البنادق في الخنادق.

وبلا حكومة، تنعم الخزينة بالوفر، وتنجو الأموال من الهدر، وتسلم الدولة من حشو الأزلام في الإدارات وحشو الجيوب بالدولارات.

بلا حكومة يتوقف الإختلاس وتتوقف عجلة الدولة عن الإفلاس.

مع الحكومة شيكات مرتجَعَة، وأوامر الدفع والقبض مرتجَعَة، ومرتجَعَة أوامر القبض على المختلسين.

مع الحكومة بحسب الإحصاءات، ارتفعت نسبة ​البطالة​ في ​لبنان​ الى %35 وبإِضَافةِ ثلاثين وزيراً ترتفع نسبة العاطلين... عن العمل.

مع الحكومة، حسبما أشار مدير «جمعية إدراك» والإختصاصيون في علم النفس، أن في لبنان حالةً من الإنتحار كل يومين ونصف اليوم في أوساط ​الشباب​ وكأنهم يتهرّبون من مستقبلٍ مظلم وظالم، فلا ننتظرنَّ إذاً، أن ينتحر الشباب من أجل تأليف الحكومة.

ومع الحكومة، تدهور الإقتصاد، وافتقر العباد، وشَـغُرت العمائر، وأقفلت المتاجر، وارتفعت ​النفايات​ الى مستوى الجبال حتى ليكاد يتساقط عليها ​الثلج​، وكانت مشكلة ​الكهرباء​ مشكلة ضوء، فأصبحت معركةً بين متصارعين، وكلّ منهم يحمل الوشاح الأحمر لترويض الثور.

لماذا الحكومة إذاً...؟ وهل هي من أجل التغيير...؟ والتغيير ما هو إلا جذَوةٌ تنبض داخل الإنسان الناهدِ نحو مستقبل أفضل، وكلُّ تغيير يحتاج الى النُخبة، وكل إصلاحٍ يحتاج الى مثالٍ أعلى، وكلٌّ من المصلح الفرنسي «يوحنا كالفين» وأستاذ اللاهوت «مارتن لوثر» عندما أطلقا دعوة الإصلاح كان مثالهما الأعلى هو ​الإنجيل​.

بعد هذه الشهوة البالغة الجشع، والأشداق المفتوحة بشراهة على المقاعد والحصص، لم يبقَ أمام المعنّيين إلا تأليف حكومةٍ مصغّرة من بعض الكبار، بدل حكومة مكبّرة من الصغار. الكبار نترجَّاهم ليقبلوا... والصغار يتسكَّعون لنقبلهم...

ألَمْ يؤلف نابوليون حكومة من المديرين المختارين ليـبَهَ بها غطرسةَ النبلاء والزعماء والباشاوات والبكاوات ورجال الإقطاع، هذه الألقاب هي التي تستأثر بالخيرات وتتسبب بتدمير المجتمعات واندلاع الثورات والحروب.

وأما نحن ضحايا النبلاء، نحن عامة الشعب الذين تلجّ في نفوسنا ثورةٌ مقموعة، فقد ينفذُ فينا الصبر لنصل الى الكفر، وليس لنا إذ ذاك إلا «الكافرون» السورةُ القرآنيةُ القائلة: «قـلْ يا أيُّها الكافرون، لا أعبُدُ ما تعبُدون، ولا أنتم عابدون ما أعـبُد... لكم دينكم ولي ديني...»