لم يشكّل اعتراف الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ بما أسماها "سيادة إسرائيل" على مرتفعات ​الجولان​ السوري، على رغم خطورته وحساسيّته على أكثر من صعيد، وفي عزّ الحروب الساخنة والباردة التي تشهدها المنطقة، مفاجأة غير متوقّعة لأحد، بالنظر إلى "​الهدايا​" المتتالية التي تقدّمها ​الولايات المتحدة​ إلى إسرائيل.
وإذا كانت هذه "الهدايا" تسارعت بصورة دراماتيكية مع التسريبات حول ما عُرفت بـ"صفقة القرن"، والتي كانت باكورتها إعلان ترامب ​القدس​ المحتلة عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة الولايات المتحدة من ​تل أبيب​ إليها، فإنّ علامات استفهام بدأت تُطرَح حول الهدية "التالية" على اللائحة.
هنا، ثمّة من يقول إنّ ​لبنان​ لن يكون بمنأى عن "العاصفة" الأميركيّة-الإسرائيليّة، وإنّ سيناريو الجولان قد يتكرّر في ​مزارع شبعا​، عاجلاً أم آجلاً، ربطاً ب​الانتخابات​ الإسرائيلية والأميركية على حدّ سواء، ما يدفع إلى التساؤل، كيف سيتصرّف لبنان في هذه الحالة؟!.

ترامب "يفعلها"؟!


صحيحٌ أنّ ​الإدارة الأميركية​ الحاليّة أكّدت في مناسباتٍ عدّة في الآونة الأخيرة، التزامها دعم لبنان وسيادته وأمنه واستقراره، وهو ما شدّد عليه وزير الخارجية الأميركي ​مايك بومبيو​ في زيارته الأخيرة إلى لبنان، التي فصل فيها بوضوح بين دعم الدولة في لبنان، والموقف من "​حزب الله​"، ولو كان الأخير جزءاً من ​الحكومة اللبنانية​، مع توجيه أكثر من رسالة فُسّرت "تحريضية" للبنانيين على بعضهم بعضاً، خصوصاً لجهة دعوته ​الشعب اللبناني​ "الوقوف في وجه إجرام حزب الله وتهديداته".
إلا أنّ الصحيح أيضاً أنّ هذا الدعم، سواء كان حقيقياً أم يخفي وراءه نيّات غير بريئة، كما يحلو للبعض القول، يقف تلقائياً في أيّ لحظةٍ يصطدم فيها بمصلحة إسرائيل، التي كان واضحاً قبل وأثناء وبعد زيارة بومبيو، أنّها لا تزال تشكّل "الأولوية المطلقة" للولايات المتحدة، بل أنّ كلّ "أجندتها" في ​الشرق الأوسط​، مرتبطة أولاً وأخيراً بتحقيق هذه المصلحة، وهو ما ينطبق على جميع الإدارات الأميركية، وبصورة أكثر وضوحاً في ظلّ الإدارة الحاليّة التي ذهبت بعيداً في الانحياز للمصلحة الإسرائيلية.
من هنا، لا يبدو مستبعَداً بالنسبة لأحد، من حلفاء وخصوم الولايات المتحدة، أن يلحق بمزارع شبعا ما لحق بالجولان، باعتبار أنّ من لم يتردّد في إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، من دون الاكتراث بالقدسيّة التي تتحصّن بها القدس، بالنسبة إلى المسلمين والمسيحيين في المنطقة على حدّ سواء، والتي كانت تحول دون اعتراف ​واشنطن​ بها منذ العام 1948، ومن قرّر الاعتراف بـ"سيادة إسرائيل" على الجولان من خارج السياق العام، ومن دون أيّ مقدّمات، يمكن أن "يفعلها" في مزارع شبعا أيضاً، ومن دون تردّد.
أكثر من ذلك، ثمّة من يعتبر أنّ مثل هذه الخطوة قد تكون أصلاً جزءاً من "صفقة القرن" التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، ويبدو أنّها بدأت تتكشّف تباعاً، بعد مرحلة من "الجمود" التي فُرِضت عليها لاعتباراتٍ وحساباتٍ عدّة، علماً أنّ القراءة السياسية تضع مجمل هذه الخطوات في سياق الهدايا الانتخابية "المتبادلة" بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتانياهو​، باعتبار أنّ الأخير بحاجة إلى "جرعة دعم" في الاستحقاق الانتخابي، بعدما سبّبت له فضائح "​الفساد​" تراجعاً غير بسيط، كما أنّ ترامب يسعى إلى كسب ودّ ​اللوبي الإسرائيلي​، في إطار "المعركة" التي يخوضها للفوز بولاية رئاسيّة ثانية.

كل الاحتمالات واردة


مع أنّ وضع مزارع شبعا قد يكون مختلفاً عن الجولان، نظراً إلى أنّ العلاقة الرسميّة الأميركية مع الدولة اللبنانيّة لا تشبه العلاقة مع ​النظام السوري​، وبالتالي فإنّ لا مصلحة للولايات المتحدة في اتخاذ أيّ موقف قد يحرج حلفاءها في لبنان أكثر من أيّ شيءٍ آخر، ومن دون أن يكون له ترجمة فعليّة على أرض الواقع، فإنّ مثل هذا الخيار يبقى أكثر من وارد، بل إنّه يمكن أن يندرج في إطار رسائل "الإنذار" التي وجّهتها الولايات المتحدة إلى لبنان، وعبّرت فيها عن "امتعاضها" من توسّع نفوذ "حزب الله" داخل الحكومة اللبنانية.
من هنا، يصبح التساؤل عن ردّ الفعل اللبنانيّ على مثل هذه الخطوة، إذا ما حصلت، أكثر من مشروع، خصوصاً أنّ جميع اللبنانيين يتّفقون على أنّ مزارع شبعا هي عبارة عن أرض لبنانية محتلة، وهو ما يرد في ​البيان الوزاري​ للحكومة الحالية، كما ورد في بيانات الحكومات المتعاقبة السابقة، التي نصّت بمجملها على حقّ لبنان في استخدام كلّ وسائل ​المقاومة​ لتحريرها، وإن كانت النقطة الأخيرة تثير بعض التباين في الداخل حول آلية هذه "المقاومة"، وما إذا كانت يجب أن تحصل من خلال مؤسسات الدولة أو من خارجها.
ولعلّ الاختلاف الجوهريّ يكمن في المسؤوليّة السوريّة عن واقع المزارع، التي تصرّ إسرائيل أصلاً على اعتبارها جزءاً من الجولان السوري، فيما يتّهم جزءٌ واسعٌ من اللبنانيين النظام السوري بالتقاعس عن إثبات لبنانيّتها عبر تقديم الوثائق الدامغة في هذا الإطار إلى ​الأمم المتحدة​. وكان لافتاً في هذا السياق، ما صدر عن القاضي العقاري في النبطيّة أحمد مزهر قبل يومين، لجهة طلبه مسح الأراضي اللبنانيّة المحتلّة في ​بلدة كفرشوبا​ العقاريّة في إطار أعمال المسح الإجباري المستمرة في محافظة النبطيّة، والذي فُسّر تزامنه مع الخطوة المتعلقة بالجولان، بأنّها محاولة لاستباق أيّ قرارٍ في هذا الإطار.
وتبقى الخشية الأكبر، برأي كثيرين، خصوصاً من حلفاء الولايات المتحدة، من أن تكون أيّ خطوة أميركية في هذا السياق، بمثابة "هدية" لمحور "حزب الله"، الذي سيجدها فرصة لتأكيد ضرورة "اليقظة" والحذر من التهديدات الأميركيّة والإسرائيليّة، بل ربما يذهب لحدّ استنهاض "المقاومة المشروعة" ضدّ الاحتلال، وصولاً إلى إمكان شنّ عملياتٍ، من دون أن يقدر أحد على مساءلته، علماً أنّ كثيرين من خصومه يتّهمونه أصلاً باستخدام المزارع "شمّاعة"، ومن شأن خطوةٍ من هذا النوع أن تكرّسها كذلك إلى أجلٍ غير مسمّى، بدل أن يتمّ العمل على إنهائها.

"حصانة وحيدة"


الأكيد أنّ لا شيء مستبعَداً في ظلّ الإدارة الأميركيّة الحاليّة، وهو ما يتّفق عليه الجميع في لبنان، من حلفاء وخصوم الولايات المتّحدة، الذين يقرّون بأنّ الرئيس الأميركي يعمل وفق شعار "مصلحة إسرائيل أولاً"، بعيداً عن كلّ الشعارات التي يرفعها حول العلاقات التاريخيّة مع لبنان وغيره.
ولأنّ كلّ الاحتمالات تبقى واردة، ربطاً بمزارع شبعا وغيرها، فإنّ "حصانة" لبنان تبقى في تمتين وحدته الداخليّة، في مواجهة أيّ سيناريوهات يمكن أن تقع، بعيداً عن أيّ اصطفافٍ إقليميّ إلى جانب هذا المحور أو ذاك، وبمُعزلٍ عن الاختلافات "الاستراتيجيّة" التي لا تخفى على أحد، حتى لا يقع "ضحيّة" في "حرب الآخرين"، من دون أن يحتسب!.