للصومِ عند العلويين مستويات ثلاثة تتدرج صعوداً بشكلٍ عموديٍ حسب مراتب الصائمين، ولكلّ مستوىً دلالته الفقهية وبراهينه النقلية وحججه العقلية، وكل ذلك طبعاً حسب مفهومنا الخاص الذي قد يتفق مع كثيرين، وقد يختلف مع آخرين.
هو رحلة جهاديةٌ لا يثبتُ لها إلاَّ مَنْ "كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ" .
رِحْلَةٌ دَوْرِيَّةٌ مؤقتة للمُكَلَّفِ المُسْتَطيعِ يقضيها بضيافة الرحمن كل شَهر رمضان؛ فإذا جازَ التكليفَ بثباتٍ جُذبتْ رُوحُهُ إلى الحضرة القدسية، فتلعقتْ بها ثُمَّ فُنِيَتْ بالكلية، وصار بحالة مستدامة لا انفصال لها.
تبتدِئُ هذه الرحلة من الجانب الفقهي المتجسد بقمع النفس وكبح الشهوات، انتقالاً إلى المنحى الروحاني (الصوفي) بمقاماته وأحواله المُلزمة للصمت عن القيلِ والقالِ وصولاً إلى الانعزال واستغراق في جلال وجمال الوجود، وبذلك تكون قد اجتازت ثلاثةَ مستويات:


الأول (الإمساك) المختص بالجسد وجوارحه، والثاني (الصمت) المختص بالروح أو القلب، وأما الثالث (الاعتزال) المختص بالعقل وربما ما وراء العقل (الفناء بذات الله).
ولا يختلفُ ​المسلمون​ العلويين كثيراً في رؤيتهم للصيام عمَّا توافقَ عليه جمهور المسلمين، وذلك في المستوى الأول (الإمساك) لغةً واصطلاحاً وأحكاماً خاصةً، إن كان من حيث الواجبات والمبطلات والمستحبات.
"ف​الصيام​ عندنا من العبادات الواجبة على كل مسلمٍ ومسلمة" وَ"هو الركنُ الثاني من أركانِ العباداتِ" والصوم لغةً: الإمساكُ والكفُّ والتَّرْكُ. وفي الشرعِ: الإمساكُ عن أشياءَ نهى عنها الشرعُ في زمنٍ مخصوصٍ بنية التقربِ إلى الله تعالى . ويميز رئيس ​المجلس الإسلامي العلوي​ سماحة الشيخ المرحوم أسد عاصي(1946-2017) بين الصومِ والصيام، فيقول: ومن وجهة نظري لغوياً، الصوم: اسم مصدر اسمي، بينما الصيامُ: اسم مصدر فعلي، فالصومُ اسمٌ لحقيقةِ الصومِ كتسميةٍ ذاتيةٍ له، والصيامُ اسمٌ يدلُّ على قيامِ الإنسانِ بالتطبيقِ العملي في الزمن والأوقات .
وفي بيان عقيدةٍ أصدرهُ ثمانون من رجال الدين والثقات من المسلمين العلويين في الجمهورية العربية السوريّة والجمهورية اللبنانية :

الصوم


نعتقد أنه من أركان الدين الإسلامي، ويجب على كلِّ مُكَلَّفٍ مُستطيعٍ، امتثالاً لقوله سبحانه : " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... وهو شرعا ًالإمساك عن المفطرات من أول الفجر الصادق إلى المغرب الشرعي مع نيّة القربة، ويجب في ​شهر رمضان​، وفي موارد أخرى مذكورة في كتب الفقه.
ويجيب شيخنا الحُسين بن حمدان الخصيبي (رض)(260-346): بأن حذيفة بن اليمان وعثمان وسهل بن حنيف وخزيمة بن ثابت ذا الشهادتين قصدوا رسول الله (ص) يوم الجمعة في أول يومٍ من شهر رمضان الذي فرض الله على المسلمين صيامه ، وذلك في السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة .


ابتداءُ الشهر ونهايته


إذا صحتِّ البداية عندنا صار يسيراً تحديدُ نهاية الشهرِ وبالتالي تحديد عيد الفِطْرِ، والليالي التي يتوقع فيها ​ليلة القدر​ في (19 وَ21 وَ23) من شهر رمضان الذي حسابه عندنا ثلاثون يوماً بالتمامِ والكمالِ.
فابتداءُ الشهرِ نعرفه، كما صرَّح به الحاج الشيخ المرحوم عبد الرحمن الخير(1904-1986م) : من مضمون الحديث الشريفِ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لر ؤيته (أي رؤية الهلال). وإذا خفي الشهر فأتموه عدة شعبان ثلاثين يوماً، وصوموا" . وفي كتاب له آخر تابع رحمه الله ، يُثبتُ الهلالُ:
-بالعلمِ الحاصلِ من الرؤية أو التواتر أو الشياعِ،
-أو مضي ثلاثين يوماً من هلال شعبان، فيثبت هلال رمضان،
-أو ثلاثين يوماً من شهر رمضان فيثبتُ هلال شوال
(هذا في تعذر الرؤية). ويثبت:
-بشهادة عدلين،
-وبحكم الحاكم الذي لا يُعلمُ خطأهُ، ولا خطأَ مُستندِهِ
ولا يَثْبتُ:
-بشهادةِ العدلِ الواحدِ، ولو مع ضمِّ اليمين
-ولا بقول المنجمين،
-ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية.
وإذا ثبتتْ رُؤية الهلالِ في بلدٍ كفى في الثبوتِ في غيرهِ مع اشتراكهما في الآفاقِ .
ولن نستطرد في تفصيل المستوى الأول المتعارف عليه، فنقول أنه أربعة أقسامٍ: واجب ومندوب ومحرم ومكروه، وهو على أربعين وجهاً، ويُشترط في صحته نية على وجه القربة، وله شروط ومفطرات ومكروهات، ووقتٌ للإمساك والإفطار، وأحكامٌ أخرى تُطلب من المراجع التي نوردها في سياق هذا المقال.
وينقل الدكتور أسعد أحمد علي، عن الأمير المكزون السنجاري (قدسه الله) قوله:
وفرضَ الصيامَ امتحاناً للنفوسِ بالصبر على اللذات الحسيةِ، وتقويةً لاستعدادها لقبول اللذات القدسية، ولترقَّ به القلوب، وينقمعَ به سُلطانُ الشر، وتلين قلوبُ الأغنياء للفقراءِ، بالآلام الداخلة على نفوسهم، من قِبَلِ الجوع .
وفي موعظةٍ رمضانية للشيخ المُقدس حسين سعود(1903-2004):
أشبِع النفسَ مِنْ عَنَاءِ صِيَامِكْ** لِتذوقَ الإيمانَ في إسلامِكْ
إنّما الصَّوْمُ حِكمَةٌ تَبْعَثُ الرّحمة** فِيْ أَصْغَرَيْكَ طِيْلَةَ عَامِكْ
وَتَصُبُّ الشِّفاءَ مِنْ كَأْسِها الصِّحِّيِّ** بُرْءاً مُعجَّلاً في سُقامِكْ
وَتُبْقِي لكَ الحلاَلَ مِنَ الأجْرِ**عَلَى مَا حُرِمْتَ فِيْ إحْرامِكْ
أما المستوى الصوفي (الصمت) الثاني، فدليله اللغوي أيضاً كلمة (الصيام) نفسها التي تتخذ معنى الصمت، فهي تعني: "مطلق الامتناع والإمساك"، سواء عن الطعام والشراب والجماع، أو العمل أو الكلام، كما في ​القرآن الكريم​ عن السيدة مريم (عليها السلام) فِيْما أُمِرَتْ بِهِ: "فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا" .
ولكن يا ترى، هل المقصود الصمت عن مُطلقِ الكلام، أم عن شيءٍ آخر؟
وليس هو قطعاً (صوم السكوت الحرام) المَنهي عنه ، بل هو فهم خاص (وربما عام) لحكاية زكريا (عليه السلام) واقتداء بها: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) .فالمقصود بصوم الصمت إذاً، هو الإمْساكُ والكفُّ عن كل شيءٍ سوى ذكر الله سبحانه وتعالى وتسبيحه.
وَدُمْ عَلَى فِعْلِ الصَلاةِ تَتَّصِلْ**بِمَن إِلَيهَا بِالصَّلاةِ قَدْ وَصَلْ
هذه الحالة الروحانية تُشرقُ أَنواراً تلوح للصائم المنقطع لمشاهدة تجلي الحي القيوم، وتفيضُ أسراراً ورربما تخترقُ الحجب فترفعها، فإذا جازَ هذه المرحلة من التعبد اللامنقطع، عندها وجب عليه كتم أسرار تلك الإشراقات الإلهية التي تُفيضها الذات الإلهية على قلبه:
وَصُم لَها بِالصَونِ لِلسِرِّ الَّذي**حُمِّلتَ مِنها عَن جَهولٍ ما حَمَل
تَحَظَ بِسِرِّ الصَونِ في سَبيلِها** وَما عَلَيهِ مِن مَعانيها اِشتَمَل
لأنَّ عندئذٍ، الخوض بالكشفَ محظور ، هو استغراقُ الحال في مشاهدة الجمال، قال الشيخ عبد اللطيف ابراهيم (قده)(1903-1995) يصفُ حالةَ أحد العلماء العلويين المنقطعين إلى الله :
يكادُ يغيبُ عن هذا الوُجودِ**ويغرقُ في مُشاهدة الشُّهودِ
بَنشوةِ خمرةِ الحُبِّ الشديدِ**لمولاهُ العليِّ عنِ الحُدُودِ
وما أبداهُ من كافٍ ونونِ
تفرَّغَ للعبادةِ غير لاهي**بما يَغترُّ فيه من الملاهي
وجاهدَ في الأوامرِ والنواهي**محافظةً على أمر الإله
وإقبالاً على عين العيون ويضيق المجال ههنا للتفصيل عنه استطراداً فليطلب من المراجع المذكورة.
ونصل إلى المستوى الأخير الأرقى (الفناء بذات الله) الذي هو نتيجة مأمولة للسالك بعد خَلْوَتِهِ التي وصفها شاعرنا المكزون السنجاري:
لِيْ فِيْ خَلْوَتي بِجَلْوَةِ مَحبوبي**مَغيبٌ عَن مَشهَدِ الرُقباءِ
وَاِنقِطاعي بِهِ إِلَيهِ ثَناني**بِفِناءٍ أَطالَ فيهِ بَقائي
هنا يحصل الاتحاد والفناء:
فُنِيَ وُجودي في وُجودِ الهَوى**وَزالَ في أَحكامِهِ حُكْمي
وَأَصبَحَتْ ذاتي بِذاتِ الهَوى**كَالعَرَضِ اللائِحِ في الجِسمِ
هذه المنزلة التي تُسمى (الفناء بذات الله) قد بَسَّطها لنا علامة العلويين الشيخ سليمان الأحمد(قده)(1864-1942)(البسيط):
إنَّ الفناءَ بِذاتِ اللهِ مرتبةٌ**تُشرِّفُ الواصليها أيُّ تشريفِ
قد عَرَّفوها بألفاظٍ تُؤوِّلُها**لِكُلِّ معنىً بتصحيفٍ وتحريفِ
وَحدُّها أنها إخلاصُ حُبَّكمْ** لله يا عترةَ الهادي بتعريفي
بقي لنا أن نكون واقعيين ونجيبُ على تساؤلٍ سيتبادر إلى ذهنٍ كثيرين:
أين منه هذا الكلام والالتزام في واقع العلويين حالياً؟
فقد أورد الدكتور محمد التيجاني السماوي في رحلته السورية نختصر منه ما يلي، والحديث عنّا:
(نعم قد يُلاحظ مثلي عند عوامهم بعد التسامح في الأحكام... وهي أعمال لا يختصون بها، ففي عالمنا العربي والإسلامي أغلب الناس هم على هذه الصفات لا يلتزمون ولا يتقيدون بالأحكام الشرعية إلاَّ نادراً) .
وليس هذا سببٌ مقنعٌ لديَّ على الأقلِ، فلا يُبررُ الخطأ بمثلهِ، ولا تُقارنُ المجتمعات إلاَّ بالأمثلة الصالحة الجيدة، ولكنني أحاول التدليل أنَّ حالة التفلتِ من الالتزام الديني حالة تجتاح كل المجتمعات الإسلامية، فلا يجوز تخصصيها بطائفةٍ دونَ أخرى.
والسلامُ على طيبِ الكلام

ـ ق: 37.
ـ الشيخ حسين محمد المظلوم: من وحي الحقيقة، المسلمون العلويون بين مفتريات الأقلام وجور الحكام، ج2، ص313، دار المحجة البيضاء،ط1/2001.
ـ المصدر نفسه: 314.
ـ الشيخ محمود سليمان رمضان: مختصر الواجبات في السنن والمفترضات عند المسلمين العلويين، ص93، مكتبة شاش، طرطوس، ط5/2013، مزيدة ومنقحة.
ـ العلويون تاريخاً ومذهباً: 679، دار المحجة البيضاء ، ط1/2011.
ـ المسلمون العلويّون شيعة أهل البيت (ع): نشره منير الشريف في كتابه (المسلمون العلويون : من هم؟ وأين هم؟) ص23، ط3/2014، مصححة، مؤسسة البلاغ ، دار سلوني، بيروت.
ـ البقرة: 183.
ـ الهداية الكبرى: باب أمير المؤمنين(ع)، ص108، دار مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الرابعة/1411 ه‍ - 1991 م.
ـ الشيخ شوقي الحداد: الفقه الجعفري العلوي بين أُصول الدين وفروعه وحلاله وحرامه، ص129 ، دار الجوادين ، بيروت- حارة حريك
ـ قيدتنا وواقعنا نحن المسلمين الجعفريين العلويين: قدم له فخامة القاضي عبد الرحمن بن يحيى الأرياني، رئيس الجمهورية العربية اليمينة الأسبق، ص 26 ، ط3/ 1992، كتب ذات فائدة ـ دمشق.

ـ كما في خبر أبي خالد الواسطي عن الباقر(ع): الحرالعاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، كتاب الصوم، باب3 من أحكام شهر رمضان حديث رقم7.
ـ كتاب الصلاة والصيام ومناسك الحج وفق المذهب الجعفري : 90، ط20/2004، دار الفتاة للطباعة والنشر والتوزيع-دمشق.
ـ ذَيَّلهُ في الهامشِ بما يلي: أي بحيث إذا رُؤيَ الهلالُ في أحدهما أمكنَ رُؤيته في الآخرِ؛ لأنهما متفقان في الطول والعرضِ الموجبِ
لاتقاقهما في الطلوع والغروب، أو لأنّ أحدهما شرقي والآخر غربي، فإنه إذا رُؤيَ في البلدِ الشرقيِّ رُؤِيَ في البلدِ الغربي بطريقٍ أولى.
ـ معرفة الله والمكزون السنجاري: مج2، ص: 279، الطبعة الثالثة معدلة/1990، دار السؤال للنشرـ دمشق
ـمريم: 26.
ـ مريم 10_11.
ـ الدكتور أسعد علي: فن المنتجب العاني وعرفانه، ص515، دار السؤال للنشر- دمشق، الطبعة الثالثة معدلة/1990.
ـ التراث الأدبي للعلامة الشيخ عبد اللطيفِ ابراهيم: ج1، 73، لم يُذكر دار النشر.
ـ معرفة الله والمكزون السنجاري: مصدر سابق، مج2، ص: 26.
ـ المصدر نفسه: 211.
ـ السفينة من شذرات العلامة الشيخ سُليمان الأحمد: 392، مراجعة الأستاذة سمر أحمد صقر محمود، مؤسسة البلاغ، ط2/2015.
ـ فسيروا في الأرض فانظروا: 87، بتصرف، دار المحجة البيضاء، بيروت، ط1/2000.