لم يعد ال​لبنان​يون تستهويهم العناوين البرَّاقة والوعود الطنَّانة، صاروا يشعرون بأنها تؤذيهم أكثر مما تنفعهم لأنها تجعلهم يعيشون في "أحلام يقظة" وربما "أوهام يقظة"، كما تجعل مسؤوليهم اتكاليين بسبب اعتمادهم على إعانات الخارج ودعمه.
عاش ​اللبنانيون​ هذه الأحلام والأوهام في ​باريس​ 1 وباريس 2 وباريس 3، وكانت هناك محاولة لتمرير باريس 4، لكن الفرنسيين جاؤوا ليقولوا لمَن يعنيهم الأمر: stop، فكانت الإستعاضة عنه بـ "سيدر" الذي يعني البدء بمرحلة القروض، وهو منفصل عن مؤتمرات باريس الثلاثة.
***
"سيدر" صار عمره إلى اليوم سنة ونصف سنة، وما زال حبرًا على ورق، وبين انطلاقته والوصول الى اليوم، تغيَّرت الدنيا رأسًا على عقب خصوصًا بالنسبة إلى الدول المعوَّل عليها الإقراض:
فرنسا تعيش هاجس حركة الـ Gilets jaunes التي لم تنتهِ فصولًا بعد.
بريطانيا​ تعيش هاجس الـ Brexit وما زال عدم الإستقرار يعيش في يومياتها.
الولايات المتحدة الأميركية​ تضع شروطًا مالية عالية السقف:
بدأت منذ اسابيع قليلة بوضع مصرف "جمَّال تراست بنك" على لائحة الإرهاب، ما أدى إلى وضعه قيد التصفية.
ومطلع الاسبوع المقبل سيباشر مساعد وزير الخزانة الاميركي لشؤون ​مكافحة الارهاب​ ​مارشال بيلينغسلي​ زيارة للبنان، في سياق متابعة ​واشنطن​ لاتصالاتها ومحادثاتها مع المسؤولين اللبنانيين في الملفات ​المال​ية والنقدية.
***
بالنسبة إلى ​الدول العربية​ الحريصة على لبنان فإنها منهمكة بملفات على جانب كبير من الأهمية والخطورة، فالمملكة العربية السعودية تواجه تحديًا كبيرًا بعد ضربة عملاق ​الصناعة​ البترولية "آرامكو".
كما ان حرب اليمن تُلقي بثقلها على ما عداها.
***
في هذا الجو يأتي الترويج لمقررات "سيدر" ووضعها على خارطة التنفيذ، لكن هذا الجو لا يُشجِّع على ان الفرج قريب، لذا لا بد من التلفُّت إلى الداخل بغية حث المسؤولين على زيادة الإنتاجية وتحسين الأداء.
ففي الحكومة وفي الإدارة عناصر جيدون من الضروري ان يشكِّلوا قدوة للآخرين.
من بين هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر وزير العمل المحامي كميل أبو سليمان.
منذ دخول أبو سليمان إلى ​وزارة العمل​، وضع على مكتبه كتاب القانون وراح يقرأ فيه، لتطبيقه على الجميع من دون استثناء: لبنانيين وسوريين وفلسطينيين ومن غير جنسيات أيضا.
قطع دابر السماسرة الذين كانوا يعششون في زوايا الوزارة، تعرَّض لحملات سياسية وإعلامية، ونزل الفسطينيون إلى الشارع وقطعوا الطرقات وأحرقوا الدواليب وألقوا أقذع الإتهامات على الوزير أبو سليمان الذي لم يتزحزح قيد أنملة عن تطبيق القانون، ليقول لجميع مراجعيه: بيني وبينكم القانون، فإذا كان القانون لا يعجبكم، عَدِّلوه، لكن لا تطلبوا مني ان اخالفه، انا سيِّد في وزارتي وعلى وزارتي طالما أنا تحت القانون.
***
ما ينطبقُ على الوزير ابو سليمان ينطبقُ أيضًا على وزيرِ المال ​علي حسن خليل​ الذي بدوره يضعُ كتابَ القانونِ أمامَه ويقولُ لجميعِ مراجعيه: لا تطلبوا مني ان أقرأَ في غيرِ هذا الكتاب.