"​الأزمة​ لا تُحَلّ إلا بتشكيل حكومة وحدة وطنية وفق صيغة ​اتفاق الطائف​، وغير هذا سيبقى البلد في ظلّ حكومة تصريف أعمال، وسنلاحقهم لكي يقوموا بواجبهم، والذي لا يقوم بواجباته سنحاسبه".
بهذا الكلام المعبّر، نسف رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب ​محمد رعد​ كلّ النظريات والفرضيّات التي طُرحت هنا وهناك حول إمكان الذهاب إلى حكومة لونٍ واحدٍ أو مواجهة، ملمّحاً في الوقت نفسه إلى أنّ "​حزب الله​" لا يزال متمسّكاً بحكومةٍ تحظى بالحدّ الأدنى بـ"مباركة" رئيس الحكومة المستقيل ​سعد الحريري​.
لكنّ المثير للانتباه أنّ هذا الكلام جاء في وقتٍ يتصرّف حليف الحزب، "​التيار الوطني الحر​"، على قاعدة طيّ صفحة الحريري، وهو ما تعبّر عنه المفاوضات التي يديرها وزير الخارجية ​جبران باسيل​، وآخرها مع المرشح لخلافة الحريري ​سمير الخطيب​، وما يتجلّى بشكلٍ أكثر صراحة، من خلال "الحملات" التي يشنّها نوابٌ من تكتل "لبنان القوي" على الحريري.
فهل هو تباين بين "الحزب" و"التيار"، أم توزيع أدوار، أم تكاملٌ في مكانٍ ما؟ وهل يعني ذلك أنّ الأزمة الحكوميّة لم تبلغ خواتيمها السعيدة، ولا حتى الحزينة، بعد، بل لم تقترب منها بالمُطلَق؟!.

موقف واضح!


في المبدأ، لا يحتاج كلام النائب محمد رعد، الذي لا يختلف اثنان على أنّه يعبّر عن موقف "حزب الله" الرسمي، بعيداً عن بدعة "المصادر" المتنقّلة، والتي تنصّل منها "الحزب" مراراً وتكراراً، إلى الكثير من الشرح والتفسير والتحليل والتمحيص.
ولعلّ المقصد الأساسيّ من كلام رعد هو أنّ المطلوب هو حصراً تشكيل حكومة وحدة وطنيّة وفق صيغة اتفاق الطائف، وإلا فإنّ حكومة ​تصريف الأعمال​ هي التي ستحكم البلاد حتى إشعارٍ آخر، وربما يتمّ البحث بتفعيل عملها لمزيدٍ من الإنتاجيّة، وهو ما ألمح إليه نائب "حزب الله" أصلاً، من خلال تلويحه بـ"محاسبة" من لا يقوم بواجباته.
من هنا، يمكن القول إنّ موقف "الحزب" واضح لا لبس فيه، فهو يرفض شكلاً ومضموناً ما يعتبره "انقلاباً" تتمّ ممارسته على أرض الواقع، ويريد حكومةً تكاد تكون نسخةً منقّحةً عن حكومة تصريف الأعمال، بحيث تضمّ الأطياف السياسيّة الأساسيّة، بدليل إصراره على حكومة وحدة وطنية، تحفظ التوازن الحاصل في البلاد، مع إمكان إضافة وجوهٍ "مدنيّة" يمكنها تمثيل "الحراك" الذي لا يزال "حزب الله" يطالبه بتشكيل قيادةٍ واضحةٍ له، للخوض رسمياً في المفاوضات الحاصلة، أقلّه لتحقيق أهدافه المُعلَنة ب​التغيير والإصلاح​ و​مكافحة الفساد​ المتفشّي.
وإذا كان كلام رعد يؤكد رفض الحزب لأيّ صِيَغٍ حكوميّةٍ أخرى، ولا سيما لما يسمّى بحكومة اللون الواحد، فإنّه ليس خافياً على أحد أنّه يحمل بين طيّاته إصراراً متجدّداً على أن يكون الحريري على رأس الحكومة المقبلة، لأنّ الحزب لا يزال مقتنعاً بأنّ الحريري "راغبٌ" بالعودة ل​رئاسة الحكومة​، وليس "زاهداً" بها كما يحاول تصوير الأمر. وإذا كان "الحزب" يصرّ على الحريري أيضاً من باب "التوازن"، ولإدراكه بأنّه لا يزال يعبّر عن الأكثرية في طائفته، مهما قيل ويُقال، فإنّه يصرّ عليه أيضاً، كما بات معلوماً، من باب وجوب تحمّل الحريري مسؤوليّته في "إدارة الانهيار" إن جاز التعبير، نتيجة السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتياره السياسيّ على مدى السنوات الماضية.

لا إكراه في ​السياسة​!


يبدو "حزب الله" مقتنعاً إذاً بأنّ لا حلّ للأزمة، سوى عبر حكومة وحدةٍ وطنيةٍ يرأسها الحريري شخصياً، أو من يسمّيه ممثلاً شخصياً له، بل يعتقد أنّ كلّ المواقف التي صدرت عن رئيس الحكومة المستقيل أخيراً، بما فيها بيان "ليس أنا بل أحد آخر" الشهير، يندرج في خانة "المناورة"، وأنّ الأخير متأهّبٌ لـ"الانقلاب"، عبر الشارع، على أيّ حكومةٍ تُشكَّل، لتصوير نفسه "منقذاً" بما يسمح له بتحسين شروطه التفاوضيّة، وربما فرضها.
لكن، إذا كان كلام "الحزب" يوحي بأنّ كلّ ما يدور من مفاوضاتٍ حول حكومةٍ تكنو-سياسية، بمُعزَلٍ عن الحريري، ومن دون مشاركة تيّاره السياسيّ، لا تعدو كونها هدراً للوقت، فإنّ حليفه، "التيار الوطني الحر"، يغرّد في سربٍ آخر على ما يبدو، منذ بيان الحريري الأخير، وهو ما تجلّى خصوصاً باللقاء الذي جمع الوزير جبران باسيل مع المرشح لرئاسة الحكومة سمير الخطيب، والتسريبات التي تمخّضت عنه، والتي خاضت بمطالب "التيار" التفصيليّة بشأن الحكومة المقبلة، والحقائب التي يرغب تولي زمامها، وكلّ ذلك على وقع حملاتٍ لم تعد "بريئة" يدخل الكثير من "العونيّين" على خطّها، عبر اتهاماتٍ صريحةٍ للحريري بالمسؤولية عن "الفساد".
وإذا كان المحسوبون على "التيار" يرفضون توصيف الأمر بأنّه "تباين" مع "الحزب" بأيّ شكلٍ من الأشكال، مؤكدين أنّ التوافق في الرؤى ووجهات النظر بين الجانبين في أحسن أحواله، فإنّ وجهة نظرهم تنطلق من مبدأ أنّ "لا إكراه في السياسة"، وبالتالي فإذا كان الحريري قال إنه لا يرغب في ترؤس الحكومة، فيجدر البحث جدياً عن بديلٍ له، بمُعزَلٍ عمّا إذا كان رئيس الحكومة المستقيل صادقاً في نواياه أم لا، وهو ما يمكن الحكم عليه مستقبلاً، ربما على طريقة "اللحاق بالكاذب حتى باب الدار".
بالنسبة إلى هؤلاء، فإنّ الأمور لا تحتمل المزيد من المماطلة والتأخير كرمى لعيون أحد، خصوصاً أنّ كلّ المفاوضات مع الحريري أوصلت إلى حائطٍ مسدود، طالما أنّ الرجل مصرٌ على استبعاد الأحزاب الأساسيّة عن الحكومة، بذريعة أنّ الشارع يريد ذلك، في وقتٍ يدرك هو وغيره أنّ هذه الأحزاب، لو أرادت الحشد في الشارع، لأثبتت عكس هذه الفرضية. وإذا كان هؤلاء يبرّرون تأجيل ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ للاستشارات وربط التكليف بالتأليف بشكلٍ أو بآخر، بوجوب التعجيل بالإجراءات، لا إخضاعها للمزيد من ال​مناورات​ من هنا وهناك، فإنّ ذلك يعني برأيهم أنّ المطلوب حلّ سريع، لا الجلوس بانتظار "الفرج"، الذي لن تنتظره الأزمات التي تعيشها البلاد.

تكامل ليس إلا!


يصرّ "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" على أنّ مضمون موقفهما واحد، ولو اختلفت طرق التعبير عنه، بما يضعها في خانة "التكامل"، ليس إلا.
فكلاهما يعتقد أنّ الحلّ ليس سوى بتشكيل حكومةٍجامعةٍ تحترم التوازن الوطنيّ الذي عبّر عنه اتفاق الطائف، وكلاهما يرفض كلّ ما يُطرَح عن حكومة مواجهة يريدها البعض مطيّة لإسقاطها بالضربة القاضية، وكلاهما أيضاً يخشى من "مناورات" يقوم بها الحريري أو سواه لفرض شروطٍ من هنا أو هناك.
كلّ ما سوى ذلك ​تفاصيل​، بين تفعيل حكومة تصريف الأعمال حتى يرضى الحريري، أو البحث جدياً بحكومة "أفضل الممكن" كما يفعل باسيل مثلاً، في وقتٍ ثمّة من يسأل عن "العِبرة" التي يجب على الجميع أخذها من كلّ ما يحصل على الأرض، خصوصاً أنّ الممارسة تشي بعكس ذلك، حتى الآن...