منذ استقالة حكومة سعد ​الحريري​ على وقع ​الاحتجاجات​ الشعبية، يكرّر معظم الأفرقاء لازمة عدم الرغبة في "استنساخ" التجربة بحكومةٍ جديدةٍ اصطلح على تسميتها بـ"التكنو-سياسية"، باعتبار أنّ مصيرها سيكون الفشل الحتميّ، خصوصاً أنّها تفتقد الحدّ الأدنى من مقوّمات الصمود في الظروف العادية، فكيف بالحريّ تلك الاستثنائية التي يعيشها ​لبنان​ اليوم.

ومع أنّ الحريري بقي حتى اللحظة الأخيرة مرشحاً شبه وحيد للعودة إلى ​رئاسة الحكومة​، بعدما تعمّد "إحراق" كلّ الأسماء المفترضة البديلة التي كان يقترحها بنفسه، وانتزع من ​دار الفتوى​ "مباركة" غير مسبوقة لتولّيه المنصب، فقد أخرِج الرجل من السباق بالضربة القاضية، نتيجة ما يصفها مقرّبون منه بـ"الخيانة".
فرش خروج الحريري الطريق أمام المرشح الذي اختارته الأكثرية النيابية، أي الوزير السابق ​حسان دياب​، إلا أنّ الاستشارات التي أفضت إلى تسميته ذكّرت كثيرين بتجربةٍ مماثلةٍ قبل سنوات، يوم سمّت الأكثرية نفسها ​نجيب ميقاتي​ لرئاسة حكومةٍ أطلِقت عليها ألقابٌ بالجملة من حكومة اللون الواحد، إلى حكومة "​حزب الله​"، وغيرها.
فهل تكرّر الأكثرية النيابيّة التجربة نفسها اليوم، وإن اختلفت الظروف والحيثيّات؟. ألم تعرب هذه الأكثرية عن "ندمها" إزاء هذه التجربة، وهو ما عبّرت عنه مراراً وتكراراً، ما دفعها إلى تفضيل "الأصيل" على "الوكيل"؟!.

العنوان مختلف!


مفارقاتٌ بالجملة أحاطت ب​الاستشارات النيابية​ الملزمة التي أفضت إلى تسمية الأكاديمي والوزير السابق حسان دياب ل​تشكيل الحكومة​، بدت في مكانٍ ما، "نسخة طبق الأصل" عن تلك التي أحاطت قبل سنوات، بتسمية ميقاتي رئيساً للحكومة، وإن اختار ميقاتي هذه المرّة، "الانقلاب" على نفسه، باستهجان أسلوبٍ كان ارتضى سابقاً أن يصل من خلاله إلى رئاسة الحكومة.
ولعلّ المؤشّر الأبرز لذلك يكمن في جدل "الميثاقيّة" الذي أفرزه تصويت ستة نواب سنّة فقط، هم أعضاء "​اللقاء التشاوري​" الذي يحسبه كثيرون على "حزب الله"، لصالح دياب، مقابل أغلبيّةٍ مُطلقة قوامها "​كتلة المستقبل​"، إضافةً إلى ميقاتي نفسه، رفضت تبنّي ترشيح الرجل، وارتأت عدم تسمية أحد، على رغم أنّها كانت من الداعين إلى إجراء الاستشارات منذ أكثر من خمسين يوماً. وتماماً كما بدا ميقاتي قبل سنوات مرشح "حزب الله" وحلفائه، بدا دياب بالأمس مرشّح الأكثرية النيابية، الذي يفتقد الحدّ الأدنى من القبول داخل طائفته، ما أثار تساؤلاتٍ عن مصير معادلة "الرجل القوي في طائفته" التي لطالما تباهى بها "العهد".
لكن، في مقابل هذه المفارقات، مفارقاتٌ أخرى أمكن رصدها، توحي بأنّ المقاربة مختلفة هذه المرّة، بل إنّ العنوان الذي أجريت على أساسه الاستشارات، حكم هذا الاختلاف بشكلٍ واضح. ففي وقتٍ كان من الواضح أنّ ميقاتي كان قبل سنوات مرشح مواجهةٍ وصدامٍ مع الحريري، بعدما أسقطته الأكثرية النيابية بالضربة القاضية، ورمت مرشحاً بدا "استفزازياً" يومها في وجهه، فإنّ السيناريو بدا مختلفاً هذه المرّة، إذ على رغم الخلاف الواضح الذي طرأ بين رئيس حكومة ​تصريف الأعمال​ و"​التيار الوطني الحر​"، أصرّ الجميع على عدم تجاوزه، بل إنّ الثنائيّ الشيعيّ كان جاهزاً للسير بتسميته حتى اللحظة الأخيرة.
ويُضاف إلى ذلك أنّ المرشح دياب خاض المنافسة شبه وحيد، وإن سمّت بعض الكتل السفير ​نواف سلام​، بخلاف ما كان عليه الواقع في تجربة ميقاتي، الذي خاض المنافسة بوجه الحريري شخصياً، الأمر الذي دفع الأخير إلى اعتبار ما حصل بمثابة "انقلاب" عليه، وبالتالي على الأكثرية السنية، وأدّى إلى "قطيعة طويلة" بين الرجلين استمرّت سنوات، قبل أن يصبحا أخيراً أقرب إلى "الحليفين"، انطلاقاً من المصلحة السياسية الآنيّة بطبيعة الحال.

لا للمواجهة!


وعلى رغم تسريب أجواء "استياء" لدى "حزب الله" و"أمل" ممّا آلت إليه الأمور في الاستشارات، إلا أنّ هناك من يتحدّث عن مؤشّراتٍ إيجابيّة قد تكون عدم تسمية "المستقبل" لأيّ شخصيّةٍ في مواجهة دياب أبرزها، ما فُسّر على أنّه قد يكون "قبولاً ضمنياً" بالسيناريو، بمُعزَلٍ عن "النوايا" التي لا يمكن الحكم عليها، إذ إنّ ذلك نزع صفة "الاستفزاز" عن دياب إلى حدّ بعيد، علماً أنّ "المستقبليّين" يدركون قبل غيرهم أنّ اختيار أكاديميّ يمكن توصيفه بـ"التكنوقراط"، على رغم بعض الملاحظات التي سُجّلت عليه، لا ينمّ عن نيّة بـ"المواجهة"، خصوصاً أنّ الأسماء المؤهّلة لـ"الصدام" متوافرة، وبينها بعض الشخصيات الطامحة التي كثّفت نشاطها في الأيام الماضية، وكأنّها تعلن "تطوّعها" للتصدّي للمهمّة.
ولعلّ الكلام الذي صدر عن دياب بعيد تكليفه يعزّز هذه النظرية أيضاً، خصوصاً أنّ الرجل أصرّ على دحض فكرة "حكومة المواجهة"، مؤكّداً رغبته بالتواصل مع جميع الفرقاء في مهمّته، ولا سيما "​الحراك الشعبي​" الذي دخل على الخط في الآونة الأخيرة، وإن اعتبر كثيرون أنّ مهمّته هذه تكاد تكون مستعصية، خصوصاً أنّ هناك تبايناً في المقاربة، حتى بين من اختاروه لرئاسة الحكومة، فـ"التيار الوطني الحر" مثلاً لا يزال يتحدّث عن حكومة أخصائيّين، فيما يميل الثنائيّ الشيعيّ نحو حكومة "تكنوسياسية"، وهو ما سبّب أصلاً "الافتراق" مع الحريري في الجوهر.
ومع أنّ فرضيّة "المناورة" و"هدر الوقت" لا تبدو غائبة عن المشهد العام، خصوصاً في ضوء التسريبات التي بدأت تتكهّن بـ "عجز" دياب عن تشكيل الحكومة، ما سيؤدّي إلى اعتذاره خلال أيام، ليعود الحريري على "حصانٍ أبيض" كما يرغب ويتمنّى، فإنّ الجميع يصرّ على ضرورة إعطاء الرجل "فرصته" حتى النهاية، خصوصاً أنّ "ترف الانتظار" لم يعد خياراً مطروحاً، في وقتٍ تحتاج البلاد إلى تطوير مشروعٍ سريعٍ للإنقاذ، تحديداً على المستويين الاقتصادي والمالي، منعاً للانهيار الذي يؤكد المعنيّون أنّه يكاد يصبح أمراً واقعاً، ولم يعد خطراً وشيكاً فحسب.

لا عودة للماضي!


في المبدأ، قد يوحي ما حصل في الاستشارات الملزمة، بأنّ الأكثرية النيابية في صدد تكرار تجربة "حكومة ميقاتي"، خصوصاً أنّ رئيس الحكومة المُكلَّف جاء بأصوات نواب يندرجون تحت "لونٍ سياسيّ واحد"، ما ينزع عنه صفة "الحياد والاستقلالية"، التي وُضِعت ضمن الشروط المطلوبة لـ"رجل المرحلة".
ولا شكّ أنّ الانقسام الذي أفرزته هذه الاستشارات يكمّل هذا التوجّه، خصوصاً أنّ كثيرين بدأوا يتحدّثون مجدّداً عن "مصادرة" الصوت السنّي، الذي كان واضحاً بأنّ الحريري وحده من يمثّله، على رغم الأصوات المناهضة للأخير في الشارع، وبعنوان "الحراك الشعبي"، الذي اختار "المستقبليّون" ركوب موجته، قبل أن يشعروا أنّه "انقلب" عليهم، في لحظةٍ معيّنة.
ولكن، بين هذا وذاك، الأكيد أنّ أحداً، في الأكثرية على الأقلّ، لا يرغب في تكرار تجربة "حكومة ميقاتي"، التي يعتبرها كثيرون من أسوأ التجارب الحكوميّة على الإطلاق، علماً أنّ أضرارها، داخلياً وخارجياً، تفوق فوائدها في هذه المرحلة، باعتراف الجميع. فهل ينجح دياب في تجنّب "استنساخ" التجربة "المُرّة"، أم أنّ ما كُتِب قد كُتِب، ولم يبقَ سوى التنفيذ؟!.