يقول مطّلعون على الموقف الاميركي انّ ​واشنطن​ تتعاطى مع الوضع في ​لبنان​ في هذه المرحلة على أساس أنه «وضع دقيق»، ويؤكدون أنّ قرارها في شأن مستقبل التعاطي مع لبنان وحكومته ​الجديدة​ لم يتّخذ بعد، لكنه قيد الدرس وسيصدر في وقت ليس ببعيد.

في انتظار صدور هذا القرار الأميركي سلبياً كان أم إيجابياً، فإنّ أهل «حكومة اللون الواحد» كما يسمّيها خصومها، يحاولون ملاقاة هذا القرار بهدوء وبعيداً من اي ردات فعل سلبية وعدم اتخاذ اي خطوات من شأنها ان تستفزّ الاميركيين، بدليل أنّ رئيس ​الحكومة​ ​حسان دياب​ يدرك جيداً ما يريح الأميركيين وما يؤرِقهم، فسارعَ الى التأكيد بل «التطمين» مباشرة ومداورة الى أن لا تغيير سيحصل في حاكمية ​مصرف لبنان​ وعلى مستوى القيادات العسكرية والامنية، إذ انّ الجميع يعرف انّ واشنطن تولي هذه المواقع عناية خاصة، وهي كانت ولا تزال تبلّغ الى القاصي والداني، في أيام الرخاء كما في أيام الشدة، إعجابها بأداء القيّمين عليها وحرصها على التعاون معهم.


غير انّ هؤلاء المطّلعين على الموقف الاميركي يؤكدون انّ ​الولايات المتحدة​ لن تحدد موقفها النهائي في شأن التعاطي مع حكومة دياب، قبل استمزاج ​دول الخليج​ العربي رأيها في هذا الصدد، لأنها حريصة على عدم اتّخاذ اي موقف في هذا الصدد من شأنه أن يتعارَض مع الموقف الخليجي، مع العلم أنها ستعلن موقفها قبل إعلان دول الخليج مواقفها، حسب المطّلعين أنفسهم.


وفي انتظار هذين الموقفين الاميركي والخليجي، فإنه لن يصدر عن الحكومة ولا حتى عن القيادات السياسية التي شاركت في تأليفها أي مواقف سلبية تجاه واشنطن والعواصم الخليجية، بل ستكون هذه المواقف هادئة، وانّ مضمون ​البيان الوزاري​ للحكومة سيوضع بصيغة تبعث على الاعتقاد أنّ منظمة «كاريتاس» هي التي صاغَته.


والى ذلك، ورغم صدور الموقف الذي أعلنته «المجموعة الدولية من اجل لبنان» وبعض الدول الاوروبية من الحكومة وما عليها ان تفعله حتى تنال ثقة ​المجتمع الدولي​، لوحِظ انّ الموقف الأوّلي الذي أعلنته ​الخارجية الاميركية​ جاء شَرطياً في جانب ومُلتبساً في جانب آخر، فهو لم يمنح الحكومة التأييد المطلق وإنما رَهن هذا التأييد من عدمه بما عليها ان تقوم به وان تلتزمه، لأنّ الخارجية الاميركية قالت قبل ايام: «اذا قامت ​الحكومة الجديدة​ بإصلاحات حقيقية وملموسة ستستعيد ثقة المستثمرين وتفتح الباب امام المساعدة الدولية للبلاد»، وانها «ستكون امام اختبار القيام بمسؤولياتها تجاه مطالب ​الشعب اللبناني​ في اجراء الاصلاحات ومحاربة الفساد». في وقت غَرّد وزير الخارجية مايك بومبيو: «وجود حكومة لبنانية قادرة وملتزمة بإجراء إصلاحات حقيقية وملموسة هو فقط الذي من شأنه ان يستعيد ثقة المستثمر، ويضمن المساعدات الدولية». وحَضّ «الحكومة و​الجيش​ و​الاجهزة الامنية​ على ضمان سلامة المواطنين الذين يشاركون في ​مظاهرات​ سلمية».


ويقول متابعون انّ تحالف ​8 آذار​ و«التيار الوطني الحر» الذي ركّب حكومة دياب، «سيكون من مصلحته القصوى الحرص بشدة على نجاح هذه الحكومة لأنها في حال فشلت، فإنّ فشلها سيرتد سلباً عليه وعلى مستقبله في ​الحياة​ السياسية اللبنانية مستقبلاً. ولذا، فإنه سيكون حريصاً على أن تنجح هذه الحكومة ولو في الحد الادنى، خصوصاً إذا كُتب لها ان تستمر حتى ​الانتخابات النيابية​ في ايار 2022».


ويضيف هؤلاء المتابعون انه على رغم المَسحة السياسية لهذه الحكومة، والتي نجمت من تسمية الافرقاء السياسيين لوزرائها، فإنّ هؤلاء الافرقاء أنفسهم مقتنعون في قرارة أنفسهم انّ من مصلحتهم ومصلحة البلد أن ينأوا بأنفسهم عن هذه الحكومة وتركها تعمل، لأنّ عامة الشعب تحمّل الطبقة السياسية مسؤولية الانهيار الاقتصادي والمالي الحاصل بسبب سوء إدارتها وفسادها، فضلاً عن انّ نأي هؤلاء السياسيين بأنفسهم عن الوضع الحكومي إنما يحاكي موقف الخارجية الاميركية التي قالت «انّ ​التظاهرات​ التي مضى عليها اكثر من 3 اشهر عكست طموحات الشعب اللبناني تجاه قادته السياسيين، وذلك بأن يضعوا اهتماماتهم الحزبية جانباً من أجل المصلحة الوطنية».


ولذلك، فإنّ من مصلحة «أهل اللون الواحد» أن تنجح الحكومة التي أنتجوها، وتتخذ كل المواقف والخطوات التي من شأنها توفير الدعم العربي والدولي فضلاً عن الدعم الداخلي، حتى تتمكّن البلاد من تجاوز ​الأزمة​ الى آفاق الانفراج والاستقرار.


وفي هذا السياق، يرى معنيون انّ ما يتخذه «أهل اللون الواحد» من مواقف هادئة بعد ​تأليف الحكومة​ إنما هو موجّه الى ​الادارة الاميركية​ بطريقة مباشرة وغير مباشرة، لعلّ هذه المواقف تحول دون حصول أي تغيير في ​السياسة​ الأميركية إزاء لبنان نتيجة تأليف «حكومة اللون الواحد» فيه، والتي استنكف بقية الافرقاء السياسيون عن المشاركة فيها. وفي رأي هؤلاء المعنيين انّ صدور مواقف «المجموعة الدولية من أجل لبنان» وبقية العواصم التي شجّعت الحكومة على تنفيذ البرامج الاصلاحية و​مكافحة الفساد​ لا يكفي، فهذه المواقف تتصل بالاصلاحات فقط وليس بتغيير شخصيات معنية.


ويشيرون الى انّ رئيس الحكومة والقيّمين عليها من قوى سياسية يُجرون حالياً اتصالات دؤوبة مع الديبلوماسيين الأوروبيين تحت شعار «إمنحوا هذه الحكومة فرصة»، ولكنهم يدركون في الوقت نفسه انه سواء كان الموقف الاوروبي من الحكومة سلبياً او إيجابياً، فإنّ الموقف الاميركي يبقى هو الاهم، ولهذا السبب هنالك حرص على أنّ لغة بيانها الوزاري هادئة جداً ولكن «المهم هو ان تقبل العروس».


وتأسيساً على هذا الواقع، يعتقد هؤلاء السياسيون انّ ردة فعل لبنان المنتظرة على «صفقة القرن» التي ستعلنها ​الولايات المتحدة الاميركية​ الثلاثاء المقبل ستكون لهجتها خفيفة في لبنان، وذلك لتجنّب أي صدام مع واشنطن من شأنه ان ينعكس على الحكومة الجديدة والواقع اللبناني برمّته في هذه المرحلة الدقيقة.