اظهر انتشار ​فيروس كورونا​ او ​كوفيد 19​ الى الواجهة جدلية تاريخية قائمة تتنازعها على الاقل مدرستان كبيرتان يمكن حصرهما بشكل عام:بين من يرد كل الظواهر الى مشيئة الهية ربانية غير منظورة، حيث يجد كل ما في الوجود منبته ونهايته على يد الله الخالق القوة والقدرة العظمى، وبين من يعتبر هذه الظواهر نتيجة نشاط انساني قائم على تفاعلات طبيعية، ويستند في تفسير هذه الظواهر على العلم في النطاق العيني والمجال المادي في معظمه.

وبعيدا عن الغوص في ​تفاصيل​ وأسس هاتين المدرستين وحججهما ومذاهبهما والمنطلقات الفكرية لكل منهما، ومن قبيل النزوع الى التكامل في بناء حياة ​الانسان​ المجتمع، ننزل القواعد الاساسية لهاتين المدرستين على ظاهرة انتشار فيروس كورونا المستجد والطريقة المتبعة من انصار كلا المدرستين:انصار المدرسة الاولى يسلمون ان الله الخالق، من خلال هذه الظواهر يعطي مؤشرات وتنبيهات لابنائه وعباده لخروجهم عن تعاليمه الواردة في كتابه، سواء في ​الانجيل المقدس​ او في القرآن -بإعتبار ان ابناء شعبنا هم في المجمل مسلمون لرب العالمين، فمنهم من اسلم مشيئته لله عن طريق الانجيل ومنهم من اسلم مشيئته لله عن طريق القرآن- ويرون انه في الايمان والتقوى و​الصلاة​ والتضرع ننعتق من جميع الاوبئة والامراض المنظورة وغير المنظورة، ومنها وباء كورونا المستجد.
فالايمان بقدرة الله على الشفاء والحماية اقوى من اي تحذير او تدبير، والصلاة وطقوس العبادة المقدسة هي تحمي حتما من التقاط العدوى، وهم يسألون كيف نتوقف عن الذهاب الى بيت الله وكيف يمكن ان نتوقف عن تناول جسد ​المسيح​ وهو الذي امر بذلك او قال "إصنعوا هذا لذكري". والحقيقة ان الاعتقاد ​الدين​ي اقوى من الخوف والمرض، لا بل بالعكس امام ازمنة الشدة من جميع نواحيها يجد انصار هذه المدرسة راحة اكبر في التأمل بالخالق والصلاة له ولقديسيه في مواجهة الخوف والهلع، اذ انهم في النهاية سيلقون وجه ربهم بإيمان. ويجد البعض منهم في التفسيرات الدينية العقلانية العلمية ودعوة المراجع الدينية لتدابير احترازية كتعليق اقامة القداديس ومنع زيارة المقامات واقفال المساجد بعدا عن الايمان وتعالٍ وتذاكي على القدرة الالهية، ويمكن ان تصل الى حد الزندقة والالحاد.
بالمقابل يجد الانسان العلماني المنعتق من رهبة الدين والمقدسات على شؤون ​الحياة​ الدنيا، مساره في العلم والتحليل البرهاني والتفسيرات السببية لمعالجة كافة شؤون حياته اليومية، فيعالج المشاكل الاجتماعية وفق قواعد علم الاجتماع ويعالج المشاكل المالية والاقتصادية وفق ​العلوم​ المالية والاقتصادية، ويعالج بالطب وعلوم الحياة امراضه الجسدية التي تفتك بسلامته وتهدد حياته. فلا يعني هذا الانسان شيئا مما قد يكون من ماورائيات ظاهرة ​الكورونا​ وتحليلاتها الدينية، بل انه يدرسها ويحللها بذاتها من منطلق الوجود الحسّي والتحليلي والمادي بعيدا عن الماورائيات، وعند ثبوت التحاليل والفرضيات في دراسته تتحول عندها الى نظرية علمية مسندة ممنهجة قائمة على نهج فعلي اساسه الملاحظة والتجارب لايجاد العلاج الشافي لها كما لغيرها من الاوبئة والامراض التي فتكت بالبشرية منذ ازمنة طويلة.
وبين هذه المدرسة العلمية وتلك الدينية وبعيدا عن علاقة كل منهما ب​السياسة​ والاخلاق فيما يتعلق بالحلول المقترحة للكورونا، تجذب المعتقدات الدينية في مجتمعنا العدد الاكبر من الناس في مقابل الحقائق العلمية، بسبب ما رزحنا تحت وطأته من انظمة حكم طائفية، ولان العلماء والاطباء غير قادرين حتى اللحظة على تقديم اجابات صريحة وجازمة عن ظواهر كثيرة كالكورونا وغيرها، في مقابل اسناد الاجابات الى القدرة الالهية والقوّة العظمى لدى انصار المدرسة الدينية.
ولكن يبقى ان اساس الارتقاء الانساني هو مادي وروحي معا، اي ان العلاقة بين الدين والعلم يجب ان تكون في اطار التفاعل الموحد للقوى الانسانية لبناء حياة الانسان والنهوض بالحياة البشرية الى ارفع المستويات، فـ"الدين للحياة ولتشريفها وليست الحياة للدين ولتشريفه"، وكذلك ان العلم لتشريف المجتمع والارتقاء بالحياة وليست الانسانية لتشريف ورقي العلم.
وهذا هو اتجاه العقيدة الاجتماعيّة القائمة على اعطاء الدين مجاله الفاعل في بناء القوة الروحية للانسان في مواجهة المحن والنهاية المحتومة، واعطاء العلم مجاله في اعطاء الاجوبة والحلول للمشاكل الدنيوية مهما كانت طبيعتها،وذلك على قاعدة "اعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله" وكذلك على قاعدة "اعقلها وتوكل".ومن هنا تأتي دعوة المراجع الدينية لاتخاذ التدابير العلمية الاحترازية لمنع تفشي الفيروس القاتل.
على أمل ان يكون تفشي الوباء حافز لاستعداد مجتمعنا لمواجهة أيّ خطر داهم مقبل بطريقة نغلب فيها منطق العقل بإعتباره "الشرع الاعلى" الذي يلعب دورا اساسيا في تحديد الاطر الدينية والاخرى الدنيوية في سبيل الحياة الافضل لـ"الانسان-المجتمع"، وما دام الدين والعلم هدفهما الارتقاء بحياة الانسان وتشريفها، فأيّ عاقل يرفض ان يتعاون الدينيون والعلميون على ​تحقيق​ خير المجتمع والخروج من خطر وباء كورونا المستجد وغيره من الاخطار؟.