بنصابٍ غير مكتمل، ينعقد "الحوار الوطني" الذي دعا إليه رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ في قصر بعبدا، ليبدو اللقاء في الشكل، "نسخة" عن اللقاء المالي والاقتصاديّ الذي عُقِد الشهر الماضي، نتيجة إعلان معظم خصوم ومعارضي "العهد" المقاطعة، ولو كانوا بمعظمهم من الداعين نظرياً إلى الحوار على الدوام، وفي كلّ المناسبات.

ومع أنّ كثيرين اعتقدوا أنّ موقف رؤساء الحكومات السابقين، وفي مقدّمهم رئيس "تيار المستقبل" ​سعد الحريري​، سيدفع ​الرئيس عون​ إلى إلغاء الاجتماع وصرف النظر عنه، أو بالحدّ الأدنى تأجيله ريثما تنضج الظروف المناسبة لإنجاحه، فإنّ الدوائر الرئاسية أصرّت على "تثبيت" الحوار في موعده، بمُعزَلٍ عن مواقف المشاركين والمقاطعين.
فما خلفيّات إصرار رئيس الجمهورية على المضيّ بـ"مغامرة" الحوار، كيفما كان، في وقتٍ كان يمكنه تأجيل اللقاء ببساطة، مع تحميل المقاطعين مسؤولية "تفويت" فرصة التوافق الوطني في زمن "الانهيار"؟ وأيّ "رسائل" أراد ربما إيصالها للمقاطعين، على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسيّة؟!.

"الخطأ" نفسه؟!

مع بدء توالي "الاعتذارات" عن عدم المشاركة في الحوار الرئاسيّ، ومعها التكهّنات حول "مصير" الحوار، والحديث عن "انتفاء" الهدف المرجوّ منه، والذي لم يكن برأي الكثير من المراقبين أكثر من صورة "جامعة" من شأنها "تعويم" الحكومة والعهد بشكلٍ أو بآخر، بدأت تُطرَح علامات استفهام عمّن "ورّط" الرئاسة في حوارٍ غير مضمون النتائج، خصوصاً أنّ مسار الأحداث أوحى بتكرار لـ"خطأ" اللقاء الوطنيّ الماليّ الذي لم يمرّ سوى شهر واحد على انعقاده أصلاً.
ثمّة في هذا السياق من يحمّل الفريق الرئاسيّ نفسه المسؤولية في عدم أخذ "العِبَر" من تجربة الحوار الأخير، عبر "التسرّع" بتوجيه الدعوة إلى اللقاء الذي سُمّي وطنيّاً، قبل القيام بعملية "جسّ النبض" المطلوبة، لضمان مشاركة أوسع شريحة ممكنة من الأطياف السياسية المتناحرة، لتأتي النتيجة "نسخة" عن اللقاء الأخير، بعد فشل "تكتيك" توسيع رقعة المدعوّين إلى اللقاء، والذين لاذ معظمهم بالمقاطعة أيضاً، ما زاد "الإحراج" على الدوائر الرئاسية.
لكن ثمّة في المقابل أيضاً، من يحمّل مسؤولية هذا "التسرّع" إلى رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​، باعتباره "عرّاب" هذا الحوار من خلف الكواليس، بل صاحب فكرته بحسب ما يؤكد المعنيّون، بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، فضلاً عن كونه "وعد" عون بتأمين النصاب المطلوب، من خلال دخوله المباشر على خطّ توجيه الدعوات لرؤساء الكتل النيابية، واعتماد أسلوب "المَوْنة" على بعض أصدقائه، وهو ما لم ينجح فيه على ما يبدو سوى مع رئيس "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" ​وليد جنبلاط​، الذي كانت كلّ المؤشّرات تدلّ أصلاً على نيّته تلبية الدعوة، انسجاماً مع سياسته "الوفاقيّة" الجديدة، ومن دون الحاجة إلى "وساطة" بري أو غيره.
وبين هذا وذاك، لا يبدو رئيس "​التيار الوطني الحر​" الوزير السابق ​جبران باسيل​ بعيداً عن دائرة الاتهام، ليس فقط لكون "جسمه لبّيس" كما يقول بعض المحسوبين عليه، ممّن يمتعضون من "الاستهداف الممنهَج" له من جميع الفرقاء، ولكن لأنّ توقيت مؤتمره الصحافي لم يكن "موفّقاً"، على حدّ ما يقول البعض، إذ إنّه لم يوفّر المقوّمات المطلوبة لإنجاح الحوار، بل ساهم بهجومه الناريّ والمباشر على معظم خصوم العهد في حسم الكثيرين موقفهم سلباً من الدعوة الرئاسيّة، وبين هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر رئيس تيار "المردة" ​سليمان فرنجية​، الذي كانت كلّ التسريبات تشير إلى مشاركته، "كرمى لعيون" بري لا عون وباسيل.

لا "فيتو" لأحد!

بمُعزَلٍ عن الأسباب والدوافع التي أدّت إلى "مقاطعة" الحوار من قبل معظم خصوم "العهد"، ولأنّ "الأمور بخواتيمها"، فإنّ النتيجة تبدو بديهيّة لكثيرين: الحوار "بمن حضر" سيكون شكلياً لا أكثر، ولن يحقّق الغايات المرجوّة منه، بما فيها الصورة التذكاريّة "الجامعة"، وسيفضي إلى بيان ختاميّ داعمٍ للحكومة في مسيرة "الإنقاذ" الصعبة، قيل إنّ مسودّته كُتِبت أصلاً، على أن يتحفّظ عليه بطبيعة الحال مَن يحضر من المعارضين.
إزاء هذا الواقع غير الورديّ، يرى كثيرون أنّه كان الأجدى برئاسة الجمهورية أن تلغي الحوار أو ترجئه بالحدّ الأدنى، منعاً لمثل هذا "الإحراج" أولاً، ولتأمين مقوّمات نجاحه ثانياً، وهو توجّهٌ كانت الكثير من المصادر المقرّبة من بعبدا ألمحت إليه خلال الأيام الماضية، قبل صرف النظر عنه في ربع الساعة الأخير، علماً أنّ هذا التأجيل كان يمكن أن يُرفَق ببيانٍ يحمّل المقاطعين مسؤولية إفشال اللقاء، وتفويت "الفرصة" لمناقشة الوضع "الكارثيّ" الذي تشهده البلاد وكيفية مواجهته، بما يحقّق الغايات "المبطنة" خلف تثبيت موعد الحوار، "بمن حضر".
وفي حين ربط كثيرون مثل هذا التأجيل بموقف رؤساء الوزراء السابقين، الذي أفقد اللقاء "الميثاقية" المطلوبة، على رغم مشاركة رئيس الحكومة ​حسان دياب​ و"اللقاء التشاوري" في اللقاء، مع تسجيل "حَرَد" الأخير من التسريبات الإعلامية عن حصر "الميثاقيّة" بسواهم، فإنّ ثمّة من يعتقد أنّ هذا "الربط" هو الذي "فرمل" احتمال تأجيل اللقاء، حتى لا يُفهَم من ذلك أنّ لرؤساء الوزراء السابقين أو غيرهم حقّ "الفيتو" على قرارات عون وخطواته، وهو ما سيُعتبَر مؤشر "ضعفٍ رئاسيّ" في أحسن الأحوال، علماً أنّ جدل "الميثاقية" ليس في مكانه ولا زمانه المناسب، طالما أنّ الحوار ليس أكثر من لقاءٍ وطنيّ جامع، من دون أيّ إطار تنفيذيّ أو عمليّ.
وإلى جانب "الفيتو"، ثمّة في الدوائر الرئاسية من يعتبر أنّ "المقاطعة" لا تُبطِل "جدوى" اللقاء الذي يُعقَد في ظروفٍ غير مسبوقة لبنانياً، ما يتطلّب القفز فوق أسلوب "النكايات" الرائج داخلياً، خصوصاً أنّ معظم المقاطعين لن يتردّدوا بحضور لقاءٍ مماثل لو عُقِد في ​عين التينة​ مثلاً، ما يعني أنّ المقاطعة "سياسية"، وموجَّهة ضدّ العهد، بعيداً عن شعارات غياب جدول الأعمال، وانعدام الجدوى، وما إلى ذلك من "ذرائع" لا تسمن ولا تغني من جوع. ولذلك، يرى هؤلاء أنّ المقاطعين هم الخاسرون، وأنّ الصورة "غير الجامعة" التي ستنبثق عن اللقاء ستشكّل مصدر إدانة لهؤلاء، باعتبارهم غلّبوا الاعتبارات السياسية على غيرها، فيما البلاد على وشك الإفلاس والانهيار.

حق يراد به باطل!

لا أحد ينتظر من الحوار الرئاسيّ أو غيره حلاً سحرياً للأزمات المتفاقمة التي يتخبّط فيها اللبنانيون، على اختلاف توجّهاتهم، لكنّهم جميعاً ينتظرون من السياسيّين الذين أوصلوا البلاد إلى ما وصلت إليه "مقاربة" مختلفة، تنطوي على حسّ من المسؤولية على الأقلّ.
قد تكون المعارضة مُحِقّة باعتبار الحوار "مضيعة للوقت"، وربما "لزوم ما لا يلزم"، لأنّ اللبنانيّين ينتظرون إجراءات عمليّة لا شكليّة، والوقت الحالي ليس ملائماً لرفع الشعارات الرنّانة وتقديم الوعود الوهميّة وما إلى ذلك.
وقد تكون الموالاة مُحِقّة باعتبار أنّ الأزمة تتطلب وضع الخلافات السياسية جانباً، وتضافر الجهود بشكلٍ أو بآخر لوضع خريطة طريق للحلّ والإنقاذ، ولو بالحدّ الأدنى المُتاح، بعيداً عن اعتبارات المعارضة التقليدية.
لكنّ "الظاهر" لم يعد يجد ضالته في الواقع اللبناني، واقع أثبت أنّ كلام الجميع "يُراد به باطل"، ولو كان "حقاً"، بل إنّ "الباطل" يتجسّد في استمرار نفس "المسرحيّات" ومع نفس "الأبطال"، منذ أكثر من ثلاثة عقود، من دون حسيب أو رقيب...