مزحة ثقيلة تناول فيها غبطة البطريرك الراحل ​مار نصرالله بطرس صفير​ ورطت رئيس ​الإتحاد العمالي العام​ "​بشارة الأسمر​"، فهبّ الرأي العام لتحويل نكتةٍ إلى قضيّة وطنيّة تهدّد ​السلم الأهلي​، هي في الحقيقة لا ترتقي لمصاف شتائم كثيرة وجّهها سياسيون ومسؤولون لمواطنين سابقاً، على الهواء وتحته.

عاد بشارة الأسمر بمباركة كاردينالية، بعد عام تقريباً من استبعاده عن المشهد النقابي. ها هو المغفور له بشارة الأسمر يعود على رأس الإتحاد العمالي العام، بعد تجميد الإنتخابات لمركز رئاسة الإتحاد بسبب الجائحة كورونا وعدم الاتفاق على بديل، فجاء الاتفاق الضمني لإعادته إلى شارع الحاجة المُلحة جراء الجوع والمتاعب، بعد فقدان الدور الرئيسي الذي لعبه الإتحاد على الصعيد الوطني عموماً، وبالتحديد العُمال والموظفين بشكل خاص، في ظل تأزم ​الوضع الاقتصادي​ والمعيشي والإجتماعي الذي يندحر الى الهاوية يوماً بعد يوم .
ان الشرخ الذي أصاب الإتحاد العمالي بعد ​استقالة​ رئيسه كان ظاهراً في العلن، فحقوق العمال اصبحت منسية ومهددة من دون دروع واقية لأمنهم وامانهم في حصانة لحقوقهم، من تداعيات المصائب المعيشية المستفحلة.
ضعف دور الإتحاد العمالي العام وتفاقمتّ مشاكل المستضعفين حتى فاقت الحدود ، كالعامل اليومي وسائق الأجرة وموظف ​القطاع الخاص​ والعام، فإستحكمت دولة الرعاية الاجتماعية المزعومة في ​لبنان​ في ظل غياب الإتحاد عن المشهد الاجتماعي والمعيشي، التي كانت تستغل الضعفاء وتمارس ​سياسة​ العمل الجبري تجاههم، الآن تطمح الى تركهم على قارعة طريق ​الدولة​ العميقة، فكثرت الحاجة وزاد العوز، وضعف قلب العامل وأصبح من دون مرجعية ولا من مطالب لحقوقه واستمرارية لعيشه .
هذا الإستحقاق المضوي في ​العمل النقابي​ أعاد بشارة الأسمر رئيساً، بإعتباره نبض النقابة كما صرح احد النقابيين، وان ​القيادة​ بإستبعاده باتت ضعيفة ومن دون صوت صارخ بوجه الإستبداد والاستغلال.
بعد خسارة آلاف اللبنانيين وظائفهم نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي، وهبوطه بشكل حادّ في الأشهر الستة الأخيرة بفعل التدهور النقدي و​فيروس كورونا​، الذي اعتُبر بمثابة الضربة القاضية التي أوصلت البلد إلى الانهيار التامّ، بعدما أقفلت جميع المؤسسات والشركات أبوابها تنفيذاً لحالة التعبئة العامة التي تستمرّ منذ 16 آذار الماضي.
معاناة العاملين والموظفين في لبنان، التي ترجمت في تحركات شعبية ومطلبية، اختلفت حدّتها بحسب ​السياسة​ التي اعتمدتها كل شركة في ظلّ ​الأزمة​ الاقتصادية، فهناك من خسر وظيفته بشكل نهائي وجلس في المنزل عاطلاً عن العمل، بينما اعتمدت بعض الإدارات خطة حسم نسب تصل إلى 50% من رواتب موظفيها تفادياً للإقفال التام، مع منحهم إجازات طوعية غير مدفوعة الأجر، وسار القسم الأكبر من المؤسسات باتجاه إلغاء المكافآت التي كانت تمنح للموظفين، فيما سددت أكثرية الشركات رواتب موظفيها بالعملة الوطنية وفق سعر الصرف الرسمي 1515 ليرة لبنانية، في وقت تجاوز سعر الصرف في السوق الموازية 8000 ليرة، ما أفقد المعاشات أكثر من 70% من قيمتها، علماً أنّ العقود الموقعة من الجانبين تلحظ دفع الرواتب ب​الدولار​، لكن حجّة الإدارات والمؤسسات تكمن في عدم وجود العملة الخضراء في البلد نتيجة القيود التي تضعها ​المصارف​ على الودائع الدولارية.
لماذا بشارة الأسمر اليوم ؟
لانه هو من طالب بحقوق العمال في القطاع الخاص، واعتبر ان التعاطي مع ​القطاع العام​ أسهل لأن هناك رب عمل واحد وهو الدولة، فيما في القطاع الخاص هناك عدة ارباب عمل وعدة قطاعات، ونحن بحاجة لحوار لرفع الحد الادنى للأُجور و​لجنة المؤشر​ يجب ان تكون في صلب هذا الحوار.
لماذا بشارة الأسمر ؟
لأنه الشرس في مطالبة الدولة الى اطلاق عجلة ​الكهرباء​ ووصول ​المياه​ الى البيوت ومعالجة ازمة ​النفايات​، وعدم رفع صفيحة ​البنزين​ وال TVA فكيف هو الحال الآن بالغلاء الفاحش وانعدام تام للقدرة الشرائية بسبب فوضى أسواق الصرف !
لماذا بشارة الأسمراليوم ؟
لأنه طالب بالكشف عن أموال المصارف ولأن المجال السياسي استفاد من الهندسات المالية، فبات السياسيون يشعرون بأن رئيس ​الاتحاد العمالي​ قد لامس رقبة ​الفساد​ فأراد الانقضاض عليه ، ولكي لا ينعم الفساد براحة وطمأنينة .
لماذا بشارة الأسمر اليوم ؟
لانه رفض الموافقة على مقترحات شركة ماكنزي ورفض دفع الدولة أجر الشركة البالغة مليون ومئتي ألف دولار أميركي، كما رفض عقود البواخر وتسوية الاعتداء على الاملاك العامة من قبل المنتجعات وشركائهم.
لماذا بشارة الأسمر اليوم ؟
لانه عقد جمعية عمومية لمئات العاملين في المصارف في مقر الاتحاد وابلغهم بأنه لن يسمح بالاعتداء على حقوقهم من قبل المصارف، وطالبها بالكف عن جشعها تجاه رفع الفوائد على المواطنين والدولة وأعلن عن رفضه فرض ضرائب جديدة على المواطنين”.
فأين كانوا كل هؤلاء بغيابه ؟
ربما اليوم رئيساً لاتحاد عمالي عام، وغداً احد ابرز قادة ثورة الجياع في ظل غياب الرؤية الثورية لدى الناشطين، وانعدام الرصانة في صفوفهم وتوحيد ورقة المطالب التي تخطت الدلع السياسي الطائفي .
شئنا ام آبينا احببنا الرجل او كرهناه جاء اليوم رئيساً للإتحاد بإتفاق الرئاستين الأولى والثانية، رئيساً يضع يده على الفساد دون ان يداعبه، هذا الضمير الحر الذين حاولوا شراؤه عدة مرات، ولأنهم عبثوا بالأرض فساداً ورزيلة، فمن شرب الحر جلدوه، وعندما عاد اجلدوه، ولأنهم خطأة لا يحق لهم ان يرجموه.