بلغة الواثق تحدّث رئيس الحكومة السابق ​سعد الحريري​ الأسبوع الماضي عن أنّه "مُرشّح طبيعي" لمنصب رئاسة الحُكومة، وكان من المُفترض أن تفضي الإستشارات النيابيّة المُلزمة-لو عُقدت أمس كما كان مُقرّرًا، إلى تكليفه تشكيل الحُكومة المُقبلة. لكن جرى في اللحظة الأخيرة إرجاء هذه الإستشارات لمدّة أسبوع. فما الذي سيحصل بعد هذا التطوّر؟.

بداية لا بُد من الإشارة إلى أنّ التحليلات كانت تُقدّر حُصول رأس حربة قوى "​14 آذار​" السابقة، على ما بين 60 إلى 70 صوتًا، أغلبيّتها من قوى "8 آذار"، بحيث يُمكن القول إنّ الحريري كان سيصل إلى ​رئاسة الحكومة​ مَحمولاً على أكفّ "​الثنائي الشيعي​"، الأمر الذي كان رئيس حزب "​القوات​ ال​لبنان​يّة" ​سمير جعجع​ قد لفت النظر إليه، داعيًا الحريري إلى تحليل خلفيّات هذا الموقف!.
إشارة إلى أنّه في ضفّة قوى "8 آذار" السابقة، ليس بسرّ أنّ رئيس مجلس النوّاب ​نبيه برّي​ الذي كان قد حاول إعادة الحريري إلى الحُكم بعد "ثورة 17 تشرين الأول" الماضي، من دون أن ينجح، ثم لعب دورًا محوريًا في تطيير الحكومة الحاليّة برئاسة الدُكتور حسّان دياب، يقود مُجدّدًا مُحاولة إعادة رئيس "تيّار المُستقبل" إلى رأس السُلطة التنفيذيّة، لغايات مُتعدّدة، منها ما يهدف إلى الإبقاء على المَنظومة القائمة، ومنها ما يُحضّر الأرضيّة لعودة "​التحالف الرباعي​" المَشهور،وذلك للإمساك بالبلاد مُجدّدًا بقبضة حديديّة، مع إقتراب عهد الرئيس العماد ​ميشال عون​ من نهايته.
والمُفارقة اللافتة أنّ "​حزب الله​" يؤيّد هذه الجُهود، لكن طبعًا ضُمن شروط تُبقيه في السُلطة وتوفّر له الغطاء الشرعي، في ظلّ العُقوبات والحملات الدَوليّة المُمنهجة ضُدّه. وهذا "الثُنائي" قادر في مُختلف المحطّات المُهمّة، على إقناع أغلبيّة باقي نوّاب قوى "8 آذار" بتوجيه دفّة تصويتهم يمينًا أو يسارًا، مع ترك هامش إعتراض مَحدود لعدد قليل من النوّاب المُستقلّين والأحزاب الصغيرة، بشكل لا يؤثّر على النتيجة الإجماليّة للتصويت. ومن المَعلوم أنّ رئيس "تيّار ​المردة​" يدعم علنًا عودة الحريري، في موقف يُفسّره الكثيرون بأنّه تسليف مُسبق لرئيس "المُستقبل"، تحضيرًا لمعركة رئيس "المردة" الرئاسيّة المُقبلة.
بالإنتقال إلى ضفّة قوى "14 آذار" السابقة، الوضع مُثير للريبة أيضًا، حيث أنّ التحالف السابق صار في خبر كان. فرئيس "​الحزب التقدمي الإشتراكي​" النائب وليد جنبلاط-وكعادته، رفع سقف تصعيده بوجه الحريري، قبل أن يعود ويؤكّد رغبته بتكليف رئيس "المُستقبل" بعد حجز مقعد حزبه الوزاري في الحُكومة المُقبلة تحت الطاولة، وبحجّة عدم السماح للمُعرقلين بالإختباء وراء موقف "الإشتراكي" من فوقها! وبالنسبة إلى حزب "الكتائب اللبنانيّة" فهو إختار الإنتقال إلى موقع المُعارضة الكاملة بوجه كل تركيبة السُلطة، وحزب "القوات اللبنانيّة"رفض من جهته التصويت لصالح الحريري من دون أجندة واضحة، وأصرّ على وُصول حكومة مستقلّة وخالية تمامًا من كل الفرقاء السياسيّين، وعلى تنظيم إنتخابات مُبكرة. ومآخذ "القوات" على "المُستقبل" تبدأ بالتجاهل وبغياب التواصل المُباشر الرفيع معها، وتمرّ بالتصعيد "الأزرق" المُتكرّر وغير المُبرّر بوجهها، وتصل إلى رفض إستغلال دعمها ثم بيعها بأبخس الأثمان عند توافق "المُستقبل" مع الافرقاء الآخرين.
وفي ما خصّ "التيّار الوطني الحُرّ" الذي يُحمّل الكثيرون رئيسه النائب ​جبران باسيل​، مسؤولية تطيير إستشارات يوم أمس إلى موعد لاحق(1)، فهو يريد من جهة إتقاذ العهد الرئاسي للعماد عون، لكنّه لا يرغب من جهة أخرى بأن يكون وجوده في السُلطة شكليًا وضعيفًا، في ظلّ التفاهمات التي يجري نسجها من دون التنسيق مع "التيّار"، لبل بهدف الإلتفاف عليه لاحقًا، الأمر الذي دفع النائب باسيل إلى التصعيد بوجه "الحريري"، مُمهدّا الطريق لخطوة إرجاء الإستشارات التي قررّها رئيس الجمهوريّة.
ومن خلال المشهد المَذكور أعلاه لتوزيع القوى السياسيّة، يُمكن القول إنّ تكليف رئيس "تيّار المُستقبل" كان يُواجه عقبة مُهمّة تتمثّل في غياب دعم أيّ فريق سياسي ​مسيحي​ واسع التمثيل، على غرار "التيّار" و"القوات"، وكان كل من رئيس ​مجلس النواب​ ورئيس الحكومة السابق يخُطّطان لتجاوز هذا الأمر، والسعي لتعويم الحريري من خلال أصوات "المردة" وبعض النوّاب المسيحيّين الذين فازوا من خارج القوى الحزبيّة المسيحيّة. وحجّة الحريري في تبرير ذلك، أنّ رئيس الحكومة المُستقيل حسّان أديب جرى تكليفه في غياب الثقل السنّي الشعبي الداعم، الأمر الذي يعني-برأيه، أنه يُمكن تكرار هذا السيناريو مع غياب الثقل المسيحي الداعم لرئيس الحكومة المُكلّف.
وممّا سبق، يُمكن القول إنّه في حال عدم قيام الحريري بسحب ترشيحه، على رئيس "تيّار المُستقبل" إعادة ترتيب علاقته مع واحد من إثنين من الأحزاب المسيحيّة الكبرى على الأقل، أي إمّا مع "التيّار" وإمّا مع "القوات". وحتى ​الساعة​، الحريري لا يريد العودة إلى تحالفه الثنائي السابق مع باسيل، علمًا أنّ الأخير يستغلّ وضع رئيس "المُستقبل" الهشّ على مُستوى التحالفات السياسيّة، للتشدّد في مواقفه وفي مطالبه، بينما جعجع الذي لا يريد إسداء أيّ خدمات مجانيّة لا للعهد ولا للثنائي الشيعي، يتوقّع أن يُبادر الحريري إلى ترتيب علاقته معه على أسس سياسيّة واضحة، وليس وفق مصلحة آنيّة سرعان ما ستزول مع مرور الوقت. وبالتالي، في حال إختار الحريري الحفاظ على ترشّحه، ورفض في الوقت عينه إعادة مدّ جُسور التواصل مع باسيل أو مع جعجع، فإنّه سيتحوّل بدون أدنى شكّ إلى رهينة بيد "الثنائي الشيعي" في كل قرارته المُستقبليّة، لأنّ هذا "الثنائي" قادر على إفشال مُهمّته في أيّ لحظة، من دون أن تكون له أيّ قُدرة على المُواجهة، بفعل ضعف تحالفاته السياسيّة وإفتقاره إلى الدعم النيابي والحزبي العابر للطوائف.
في الخُلاصة، يُمكن القول إنّ الإنقسامات على مُستوى الساحة السياسيّة اللبنانيّة هي اليوم في مرحلة مُتقدّمة جدًا. وفي حال عدم الشروع في مُعالجة هذا الموضوع، فإنّ الفشل في تشكيل حُكومة جديدة سيبقى قائمًا، وإلا فإنّ "تحالفًا رباعيًا" جديدًا سيُطلّ برأسه ليُعيد لبنان إلى مرحلة العام 2005، وتحديدًا إلى مرحلة هضم الحُقوق المسيحيّة، الأمر الذي يتحمّل مسؤوليّته أفرقاء "التحالف الرباعي"، من دون تبرئة مسؤوليّة القيادات المسيحيّة في الوصول إلى هذا الدرك مُجدّدًا!.


(1) على الرغم من أنّ الرواية الرسميّة تحدّثت بداية عن طلب بعض الكتل التأجيل، ثم تحدّثت عن طلب من حزب "الطاشناق" بهذا المعنى، مع التلميح إلى أنّ السبب هو غياب الميثاقية المسيحيّة.