بين مصر والسّودان خلافاتٌ سابقة للخلاف في شأن "سدّ النّهضة"، إِذ ثمّة حساباتٌ سياسيّةٌ سابقةٌ شكّلت نارًا تحت الرّماد، وقد تبادل كُلٌّ مِن العاصمتَين، تهمة إِيواء مُعارضي العاصمة الأُخرى، سواء "الإِخوان المسلمين" المصريّين، أَو "مُتمرّدي ​دارفور​". وإِذا كان المثل الشّعبيّ يقول "المسأَلة قُلوبٌ ملآنة"... فإِنّ بين ​القاهرة​ والخُرطوم... قُلوبٌ ملآنةٌ خلافاتٍ سياسيّة.

وحتمًا فإِنّ المسأَلة بين البلدَين الأَفريقيَّين لا تقف عند حُدود تبادُل التُّهم في إِيواء كُلٍّ مِن الدّولتَين أَشخاصًا يُشكّلون خطرًا على الدّولة الأُخرى، بل إِنّ زيارة الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أَردوغان الأَخيرة إلى السّودان، جاءت لتصُبّ الزّيت على النّار...


تُركيا

ففي زيارةٍ كانت الأُولى لرئيسٍ تُركيٍّ إِلى السّودان منذ استقلال الدّولة في العام 1956، وصل أَردوغان إِلى الخُرطوم في 24 كانون الأَوّل 2017، في ظُلّ "ظرفٍ تاريخيٍّ عصيبٍ" تمرّ به علاقة مصر بالسُّودان من جهةٍ، ومصر بتُركيا من جهةٍ أُخرى.
وخُصّصت الزّيارة الثّانية لأَردوغان (الأُولى عندما كان رئيسًا للوزراء في آذار 2006)، لتوقيع 12 اتفاقًا "للتّعاون الاستراتيجيّ" في مجالات الزّراعة والنّفط والتّعدين والبنية التّحتيّة والصّناعات والتّبادُل السّلعيّ. وقد أَعلن وزير الخارجيّة السّودانيّة ​ابراهيم غندور​ حينها، أَنّ زيارة أَردوغان "تحمل دلالاتٍ سياسيّةً، مِن شأنها الارتقاء بالعلاقات الثُّنائيّة... إِلى مستوًى استراتيجيّ".
كما وجاءت زيارة أَردوغان في توقيتٍ يحمل "مغزًى سياسيًّا" أَيضًا، حيث كانت المنطقة العربيّة تمرّ بأَزمةٍ كبيرةٍ في شأن وضع ​مدينة القدس​، بعد قرار الرّئيس الأَميركيّ السّابق ​دونالد ترامب​، نقل سفارة ​واشنطن​ إِليها، وهي الأَزمة الّتي تُعدّ تُركيا اللاعب الأَكبر فيها.
ويربط مُحلّلون بين ما صرّح به أَردوغان آنذاك، عن "موقع السُّودان الاستراتيجيّ الّذي يُشكّل إِغراءً لتُركيا، وسعيه إِلى استعادة دورٍ فقدته أَنقرة سابقًا. وكذلك يجهد أَردوغان للعودة إِلى قيادة الدُّول الإِسلامية عبر حلفٍ بدأ يتشكّل مُنذُ ما قبل 2017.
وتزامُنًا أُثير جدلٌ في شأن إِنشاء قاعدةٍ عسكريّةٍ تركيّةٍ في السُّودان، الأَمر الّذي أَقلق مصر للغاية. كما ولا تُخفي تُركيا اهتمامها بموقع السُّودان في السّياسة والجغرافيا الأَفريقيّة والعربيّة، على ما ظهر من تصريحات أَردوغان بنفسه... وقد يكون التّمدُد التُّركيّ في المنطقة الجنوبيّة لمصر، وبخاصّةٍ منطقة البحر الأَحمر،من الرّسائل التُّركيّة الّتي على القاهرة التنبّه لها.

السّعوديّة


إِلى ذلك، تُشارك السُّودان في التّحالُف الّذي تقوده المملكة العربيّة السّعوديّة في ​اليمن​، والّذي يُنفّذ عمليّاته العسكريّة هُناك منذ آذار 2015. وفي هذا الإِطار ترى السُّودان نفسها، في حاجةٍ إِلى "أَحلاف تواجه بواسطتها أَعداءَها".
وفي ما عدا التّوجُّهات الأَيدولوجيّة، فإِنّ ما يُميّز الرّئيس السّودانيّ عُمر البشير، المُدان مِن ​محكمة الجنايات​ الدّوليّة بالإِبادة الجماعيّة وارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة في "دارفور"، إِنّما هو "البراغماتيّة". فبعدما كان حليفًا لإِيران لوقتٍ طويلٍ، قطع علاقته بها، ليتحالف مع المملكة العربيّة السّعوديّة في 2014، ما ساهم في رفع العُقوبات الأَميركية عنه في تشرين الأَوّل 2017، فأَرسل آلاف الجُنود إِلى اليمن!.

واقعيّةٌ سودانيّة

وحتّى في مصر، ثمّة اعترافٌ بأَنّ تحالُف السُّودان مع إِثيوبيا في ملفّ النّيل، ينمُّ عن شكلٍ مِن أَشكال الواقعيّة. فلقد فهمت السُّودان أَنّ إِثيوبيا ستربح في مسأَلة "سدّ النّهضة"، لذا بدأَت "ترجو" الحُصول على حصّتها: ​كهرباء​ وفيرة ومجّانيّة، غير آبهةٍ بالعواقب البيئيّة للسّدّ، أَو احتمال انهياره، ولو كان ذلك مُستبعدًا جدًّا...
لقد أَصبح نهر النّيل والقرن الأَفريقيّ، المُمزّقان بين البلدان الثّلاثة، رهن القوى الإِقليميّة الّتي تتواجه في الشّرق الأَوسط: السّعوديّة والإِمارات العربيّة المُتّحدة وتُركيا وإِيران.
والآن، تجد مصر نفسها معزولةً إِلى حدٍّ كبيرٍ. فقد تحسّنت علاقاتها مع السّعوديّة بعد فترةٍ حرجةٍ، ولكنّ الرّياض ما زالت تمنح السُّودان مُساعداتٍ لا غنى عنها...
كما وحصلت إِثيوبيا على مُساندة السُّودان والولايات المُتّحدة، لكونها من حلفائها الأَساسيّين في الحرب ضدّ الإِرهاب، وبخاصّةٍ في الصُّومال والقرن الأَفريقيّ، كما وحصلت على مُساندةٍ تُركيّةٍ. فقد زار رئيس إِثيوبيا أَنقرة في شباط 2018 والتقى أَردوغان. كما ووقع رئيس الوزراء الإِثيوبيّ في تشرين الثّاني 2017 في الدّوحة اتفاق تعاونٍ ثُنائيٍّ. حتّى أَنّ الصّحافة المصريّة اتّهمت قطر بتمويل بناء "سدّ النّهضة".

حرب مياه؟

إِن فشلت السّياسة، هل فكرة الحرب واردة؟
إِنّ النّزاع المُقبل في الشّرق الأَوسط، سيكون على ​المياه​ (...) وستُصبح قطرة الماء أَغلى من قطرة البترول". هذا ما أَكده بطرس ​بطرس غالي​ عام 1992، بعد تسلُّمه منصب الأَمين العامّ للأُمم المُتّحدة.
لا شيء قد يمنع ذلك، وبخاصّةٍ بعدما أَعلنت الصّحافة السُّودانيّة تشكيل قوّةٍ مُشتركةٍ مع إِثيوبيا هدفها حماية "سدّ النّهضة" تحديدًا.
وفي المُقابل، فإِنّ الأُسطول البحريّ المصريّ يجول في "مضيق ​باب المندب​"، في إِطار الحرب على اليمن، ولكنّه يستطيع تأدية دورٍ إِذا حدث نزاعٌ مع إِثيوبيا. كما وأَنّ مصر قد أَرسلت فرقًا عسكريّةً إِلى إِريتريا، "عدوّ إِثيوبيا اللدود"، علمًا بأَنّ نزاعًا مُميتًا قد نشب بين البلدَيْن (1998-2000). بيد أَنّ "سيناريو الحرب" مُستبعدٌ، لكونه سيعزل مصر تمامًا...
وأَمّا في الحسابات الدّاخليّة المصريّة، فقد طوّر الرّئيس المصريّ عبد الفتّاح السّيسي منذ 2013، خطابًا وطنيًّا. ولكنّ تنازله للسّعوديّة عن جزيرَتَي تيران و​صنافير​، تسبّب في إِثارة عاصفةٍ من الانتقادات وكذلك في انخفاضٍ حادٍّ في شعبيّته، حتّى لدى أَشدّ مُؤيّديه. فهل مِن المُمكن أَن يتسبّب بفقدان مصر للنّيل، وهو شريان ​الحياة​ فيها مُنذُ آلاف السّنين؟.