لقد بدأنا رحلتَنا ​الميلاد​يّةَ في الخامسَ عشرَ مِن شهر تشرينَ الثَّاني بِالصَّلاةِ والصَّوم، ونَستمِرُّ لغايةِ قُدّاسِ عيدِ المِيلادِ المَجيد. لهذا العيدِ جَمالاتٌ كثيرة، فإن سَمحنا لَها بِالعُبورِ إلى حَياتِنا لَجعلَتنا نَتَّحدُ بِالمَولودِ الإلهيِّ بِفرحٍ وسلام، وجعلَتنا خليقَةً جديدةً بِالربِّ يَسوعَ ​المسيح​.
مِن إحدى وُجوهِ هذا العيدِ التَّواصُلُ الإلهيُّ –البشريّ.
بِالمبدأ العَامِ كَلمةُ تَواصُل تعني "تَتابَعتِ الأُمورُ ولم تَنقطِعْ"، وهذا ما فَعلَهُ الرَّبُّ مَعَنا مِن العَهدِ القَديمِ إلى العَهدِ الجَديد، فقد تَواصَلتِ النُّبوءاتُ الوَاحدةَ تلوَ الأُخرى مُعلِنةً وِلادَةَ المُخلِّصِ، وما زال اللهُ يتواصلُ معنَا، وسيبقى يتواصَلُ إلى آخرِ رَمَقٍ مِن حَياتِنا.
فإذا أخَذنا مَثلًا أَيقونةَ عيدِ الميلادِ لَوَجدنا تَرتيبَ المَشاهدِ فيها مَبنيًّا على تواصُلٍ أدّى إلى جَمعةٍ ولِقاء، وتَضعُ نُصبَ أعيُنِنا كَيفَ نَتواصَلُ نَحنُ البَشرَ معًا بِمَفهومِ الميلاد.


نحنُ اليومَ في عَصرِ التَّواصُلِ communication بِحيثُ تَأخُذُ وسائلُ التَّواصل الاجتماعي حيّزًا كبيرًا في حياتنا، ولكن هل نحن حقًا نتواصل اجتماعيًّا؟.
ممّا لا شكَّ فيه أنَّ لهذا المجالِ المُتطَّورِ حسَناتٍ كثيرة، ولكن بِالمُقابِلِ له سيِّئاتٌ عديدة وخطيرة إن لم نتنَبَّهْ لها.
فلنَطرَحِ السُّؤالَ على أنفُسِنا: أيَّ نَوعٍ مِنَ التَّواصُلِ نَقومُ به؟.
في المَسيحيَّةِ، التَّواصُلُ ثُلاثيٌّ triptyque: تَواصُلٌ مَعَ الرَّبِّ، وتَواصُلٌ مَعَ الآخَر، وتَواصُلٌ مَعَ ذَواتِنا.
وهَذا التَّواصُلُ مُترابِطٌ ومُتمَاسكٌ، وأَيُّ خَللٍ في أحَدِ عناصِرِه الثلاثة يُؤثّر سلبًا على التَّواصُلِ كَكُل. والإنسانُ لا يمكنُ أن يَحيا سَليمًا إن لم يتواصَلْ بِشكلٍ ثُلاثِيٍّ صَحيح.
فعِندَما وُلِدَ يَسوعُ جَذبَ إليه أشخَاصًا مِن عِدَّةِ طَبقاتٍ، إذ هُوَ نَزِلَ مِنَ السَّماءِ وفَتحَ التَّواصُلَ على مِصراعَيهِ مع البَشرِ كَكُل. هُوَ تجسَّدَ وصارَ إنسانًا، وبدأَ يتواصَلُ معَنا كإنسانٍ مِثلَنا.
صَحيحٌ أنَّ اللهَ تَأنَّسَ لِنَتألَّهَ بِه، ولَكنَّهُ أيضًا تَأنَّسَ لِيُعيدَ لَنا إنسانِيَّتَنا، إذ يَجبُ أن نَعودَ بَشَرًا بَعدَ أن أَصبَحتْ قُلوبُنا حجرًا، عِندَها فقط نَستَطِيعُ أن نَتواصلَ كَبَشَرٍ مَخلُوقِينَ على صُورَةِ اللهِ ونَرتَفِع.
بِالعَودَةِ إلى أيقُونَةِ المِيلادِ، نرى مَلاكًا يَتكلَّمُ مَعَ الرُّعاةِ وخَلفَهُ جَوقَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ تُرتِّل. فَالملاكُ الّذي بَشّرَ الرُّعاة بالخلاص الإلهيّ قام بإعلان. وبحسبِ لغةِ اليَوم، قامَ المَلاكُ بِترويجِ الخَلاصِ، وأرشَدَ الرُّعاةَ إلى مَكانِ وُجودِ المُخَلِّصِ، فذهبوا إليه. والتَّرويجُ يأتي مِن فعل ارتَجَى، فاللهُ يَرجُو خَلاصَنا، ويَشاءُ أن نَقبَلَ هذا الخَلاص. وهذا ما نقرأُهُ في الرِّسالةِ إلى تِيموثاوس "الله يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ"(١ تي٤:٢).
كان الرعاةُ طبقَةً مِن عامَّةِ الشَّعبِ، ولكنَّ اللهَ لم يَستَخِفَّ بِهم، بَل أَتاهُمُ الإعلانُ الإلهيُّ بِتسبيحٍ وتَمجيدٍ عَظيمَين. عنوانُ التَّواصُلِ مَعَ الرُّعاةِ كانَ فرحًا فَلقاءَ الوجهِ بِالوَجه. فَلنسألْ أنفسَنا هنا، هل نتواصَلُ مَعَ النَّاسِ بِفَرَحٍ وتَواضُعٍ ومَحبّةٍ من دُونِ أيّ تَمييزٍ أو استِخفَافٍ أو ازدِراء؟.
وهل نَتواصَلُ في حَياتِنا اليَومِيَّة، في المَنزِلِ، وفِي العَائِلَة؟ الوالِدانِ معًا، والأَهلُ مع الأَولادِ، وفي العَمَل، وأَينَما وُجِدنا، بِهُدوءٍ وسَلامٍ وإصغَاء، ونَسعى حَقيقةً إلى لِقاءٍ شَفّافٍ مِنَ القَلبِ إلى القَلب؟.
هُنا تحديدًا تَكمُنُ مُشكلةُ العَالمِ اليَوم، فقد قَطَعنا بِتَواصُلِنا الإلكترونِيّ القَارَّاتِ والمُحيطَاتِ، ولَكِنَّنا أغَفَلنا مَسافةً قَريبةً جِدًّا مِنّا، ألا وهي التَّواصُلُ مع المُلاصِقِ لنا ومع ذَواتِنا.

​​​​​​​
نحنُ نخسَرُ هذا التَّواصُلَ لأنّنا خسِرنَا التَّواصُلَ مَعَ الخَالِق. يَمُرُّ الوقتُ في حَياتِنا بِسرعَةٍ مَهُولةٍ، فيَجعلُنا عَدِيمِي التَّواصُلِ مَع أنفُسِنا، وبِالتّالي لا نعودُ نَكتشِفُ مَلكوتَ اللهِ في داخِلِنا. إنَّها حالةُ انفِصامٍ، أدرَكنا ذَلِكَ أم لا. وطالما نحنُ في هذه الحَالةِ يَبقى تَواصُلُنا غيرَ مُجدٍ.
كذلكَ تُظهِرُ الأيقونَةُ أيضًا المَجوسَ يُقدِّمُونَ الهَدايا إلى يسوع. المَجوسُ هُم مُلوكٌ ومِن طَبقةٍ رَاقيةٍ في المُجتَمع، التقَوا جَميعُهم مع الرعاة أمامَ "الحقيقةِ" وتَساوَوا أمامَه. المجوسُ خَلَعُوا تِيجانَهم، وتَعرَّوا مِن مَجدِهمِ الأرضيّ، وسَجدُوا للإلهِ المَولُود.
هذه رسالةٌ لِحُكَّامِ العَالَم، ولِكلِّ المَسؤولِينَ، ولِكُلِّ مَن يَعتبِرُ نفسَهُ ذا مَقامٍ، أو شأنٍ وسُلطة. فإذا لم نعتبِرْ أنَّ كُلَّ شيءٍ أمامَ الرَبِّ لا شيء، وإذا لم نَتواصلْ مِن أجلِ خِدمةِ الحَقيقةِ، فبَاطِلٌ كُلُّ ما نَفعَلُه. والأكثَرُ مِن ذَلِك، نَستَخدِمُ السُّلطةَ مِن أجلِ التَّسلُّط.
وأيضًا نُشاهِدُ في الأيقُونَةِ يُوسُفَ خَطيبَ مَريمَ المُرَبِّي الصَّالِح، الرَّجُلَ البَارّ، الّذي كانَ قَلبُهُ مَفتُوحًا لِكَلِمَةِ اللهِ، يُصغي للرَّبِّ ويَفعَلُ كُلَّ ما يَطلُبُهُ مِنه. وهُنا يُطرَحُ السُّؤالُ: كَيفَ نُرَبِّي؟ ولِمَن نُصغِي؟ قَلبُنا يَلهَجُ بِمَن أو بِمَاذا؟ ماذا نَنقُلُ لأولادِنا في الجَسدِ أو الرُّوحِيّين؟ أيَّ نَهجٍ نُعطِيهِ لَهُم؟ كَذلكَ بِالنِّسبةِ للمُعَلِّمينَ ورُؤساءِ الأَحزابِ وغيرِهم. مَاذا يُقدِّمُونَ لِلجيلِ الصَّاعِد؟ فإذا لم نَأخُذْ مِنَ اللهِ المُحِبِّ للإنسانِ، ونَتعامَلْ على أساسِهِ نَكونُ هَادِمِينَ بَدلَ أن نَكونَ مُربّينَ صَالِحِين.
وتَأتي أمُّ الحَياةِ، والدةُ الإلهِ، الّتي مِنَ اللحظةِ الأُولى قَدَّمَتِ الرَّبَّ إلى البَشريَّةِ، ولم تَطلُبْ شَيئًا لِنفسِها. سِرُّ قَداستِها كان التَّواضُعَ، وتَرجَمتْ تَواصُلَها مَعَ اللهِ بِتَواصُلٍ مَعَ الآخَر. عَاشَتْ مَحبَّتَها لِلرَّبِّ بِالصَّمتِ، والخِدمَةِ والتَّضحِيَةِ والتَّفاني. فبَعدمَا بَشَّرها المَلاكُ جِبرائيلُ، لم تَتبَجَّحْ لا سَمَحَ اللهُ، بل ذَهبتْ إلى نَسيبَتِها أليصَابَات لِتَخدِمَها، فكانَ لقاءَ فرحٍ وارتِكاضٍ للجَنينِ في رَحِمِ وَالِدَةِ القِدِّيسِ يُوحَنّا المَعمَدان. وقَالَتْ لِمَريم: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لوقا ٤٣:١).
المَوضُوعُ لا يَنتهِي هُنا، فَهُناكَ أيضًا الحَيوانَاتُ الّتي التّفتْ حَولَ الطِّفلِ الإلَهيّ. وهَذهِ رِسالةٌ مُوَجَّهةٌ لِكُلِّ مُؤمِنٍ ولِكُلِّ امرِئِ أن يَكونَ بِسلامٍ مَعَ الحَيوانِ والطَّبيعةِ وكُلِّ مَا يُحيطُ بِه. فَعِندَمَا خَلَقَ اللهُ الإنسانَ أعطاهُ السُّلطةَ على كُلِّ المَخلُوقَات، ولَكِنَّها سُلطةٌ أساسُها الرِّعايةُ ولَيسَ الهَدمُ والقَتلُ والتَّدمِير.
وهكذا نُشاهِدُ في أَيقُونَةِ المِيلاد، أنَّ المَسكُونَةَ كُلَّها بِسلام. هذا ما يَدعُونا الرَّبُّ إليهِ في المِيلاد. أن يَكونَ يَسوعُ مِحورَ حياتِنا، كما أنَّهُ المِحورُ في أيقُونَةِ هذا العِيد، حَيثُ كُلُّ النَّاسِ يَلتَفُّونَ حَولَ خَالِقِهم ومُخلِّصِهم.
فالمِيلادُ إذًا هُوَ نُقطةُ بِدايةٍ لَنا جَمِيعًا، وتَصحيحٌ لِمَسيرَتِنا وطَريقَةٌ لِحياتِنا، فلنَسعَ مَعًا لإنشاءِ شَبكةِ تَواصُلٍ مِيلادِيَّةٍ فيَعمُّ السَّلامُ في حَياتِنا أجمَعِين. آمين.