مَن استمع إلى كلام رئيس أركان جيش العدو الإسرائيلي في ​مؤتمر​ “معهد دراسات الأمن القومي” الصهيوني يكاد يتصوّر بأنّ “إسرائيل” باتت على قاب قوسين أو أدنى من الانطلاق في حرب مفتوحة شاملة تقود الى إقامة امبراطورية لها على مساحة ​الشرق الأوسط​ وغربي آسيا بعد أن تدمّر كلّ معارضيها من دول وكيانات وتنظيمات مقاومة للمشروع الصهيونيّ – الغربيّ الاحتلاليّ للمنطقة. فأين موقع هذا التصوّر والظنّ من الحقيقة والواقع؟

يدّعي كوخافي بانّ “إسرائيل” باتت لديها خطط ​عسكري​ة استراتيجية كاملة لتدمير البرنامج النووي ال​إيران​ي بشكل كامل، يحدوه في هذا القول ما يذكّر بقيام “إسرائيل” بتدمير مفاعل تموز النووي ​العراق​ي ووضع حدّ لطموحات العراق النووية رغم أنها كانت طموحات متواضعة لا تتعدّى الشأن المدني المحدود وبإشراف أجنبيّ لا يسمح بأيّ تطوير نحو حدود الخطر العسكري، ومع ذلك دمّرت “إسرائيل” المفاعل ولم ينبس أحد في ​العالم​ ببنت شفة استنكاراً للعدوان وتعامل الجميع وكأنّ “إسرائيل” تقوم بممارسة حق مكتسب لها هو منع الآخرين من تطوّر علميّ لا توافق عليه.

وزعم كوخافي بأنّ “إسرائيل” تعلم جيداً مواقع ومخازن ومرابض ال​صواريخ​ في ​لبنان​ وغزة الدقيقة منها والعادية، وهي أماكن بزعمه تقع ضمن الأماكن الآهلة، ولذلك فإنّ “إسرائيل” أعدّت الخطط لتدمير تلك القواعد او المخازن ولن يثنيها عن تنفيذ عملية التدمير وجود مدنيّين وقتلهم مهما كانت أعدادهم، ثم انه “يمنّ” على هؤلاء بأنه سيعلِمهم قبل ساعات بقرار “إسرائيل” البدء بالقصف التدميريّ ليغادروا المنطقة ويخلوا،الأمر بينه وبين مقاتلي ​حزب الله​ في لبنان أو ​المقاومة الفلسطينية​ في غزة (لم يقل كوخافي الى أين سيغادر المدنيون خاصة أهل غزة).

ثم يتباهى كوخافي بما تقوم به “إسرائيل” علناً من ملاحقة الوجود الإيراني و​فصائل المقاومة​ من حلفاء إيران في سورية والعراق، ويدّعي انّ “إسرائيل” مستمرّة ب​سياسة​ السعي لاجتثاث ذاك الوجود ووضع حدّ لفعاليته ضدّ المشروع الإسرائيلي الاستعماري، وأنّ “استراتيجية العمل بالمعركة ما بين الحروب” سيستمرّ العمل بها ولن تتوقف.


اما الأكثر غرابة في الأمر فهو ادّعاء كوخافي بأنّ “إسرائيل” ستنفذ مهامها دون أن تنزلق الى حرب واسعة مفتوحة وأنها ستبقى مسيطرة على زمام الأمور في الميدان بحيث توقف الحرب بعد أن تنتهي المهمة المحدّدة في كلّ من إيران ولبنان وغزة فضلاً عن سورية والعراق، وهي المهمة التي لن تكون “إسرائيل” وحيدة في تنفيذها كما يدّعي، بل انّ هناك حلفاً عسكرياً ناشئاً حديثاً بقيادة “إسرائيل” التي تتوسّطه ويمتدّ من ​اليونان​ وقبرص في الغرب الى ​الإمارات​ والبحرين في الشرق ومعهم كما جاء في تخصّصات كوخافي ​الأردن​ و​السعودية​ ومصر إلخ…

مَن سمع ما جاء على لسان كوخافي كاد يظنّ بأنه يسمع كلام هاوٍ سطحيّ لا عهد له بالعلم العسكري والخطط العسكرية والأحلاف العسكرية، حيث إنّ الواقع يكذب تخرّصات كوخافي وتوقعاته في أكثر من محلّ نذكر منها:


1 ـ يتصوّر رئيس أركان العدوان مفاتيح الميدان هي بيده يفتح أبوابه بإرادته ويغلقه بقراره، وهذا ظنّ فيه منتهى السذاجة والحمق، والقفز فوق الواقع، فـ “إسرائيل” تطلق الطلقة الأولى لكن الطلقة الأخيرة ليست بيدها، ويكفي أن نذكره بحرب الـ 33 يوماً في العام 2006، حيث استماتت “إسرائيل” مستجدية وقف ​إطلاق النار​ وأدخلت القوى الكبرى و​مجلس الأمن​ للوصول الى ذلك لا لشيء إلا لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار في الحرب على الصعد الأمنية والاجتماعية فضلاً عن العسكرية والسياسية، وينسى كوخافي انّ محور المقاومة الذي سيواجهه تمرّس على الحروب الطويلة سواء كانت مواجهات تفضي الى حسم او عمليات استنزاف، و”إسرائيل” لا تقدر على الأمرين فهي لا تستطيع الآن أن تحسم حرباً ولا تستطيع ان تنخرط في حرب استنزاف.

2 ـ يدّعي رئيس أركان العدو أنه فقط بضعة عشرات من المدنيين في “إسرائيل” سيُقتلون خلال هطول صواريخ العدو عليهم، وينسى انّ كيان العدو في ​فلسطين المحتلة​ كلها بات تحت النار وانّ هناك من ​الصواريخ​ الدقيقة ما يمكن من تدمير الأهداف الاستراتيجية الأساسية الكبرى الـ 25 والأهداف الاستراتيجية الهامة الـ 50، تدميرها 5 مرات، وانّ النار إذا فتحت أساطينها لن تتوقف إلا ب​تحقيق​ أهدافها التدميريّة كلها حيث لا يبقى للعدو فرصة او مجال لحركة خاصة أنه فشل فشلاً ذريعاً في تطبيق مقولة “شعب يعمل تحت النار”.

3 ـ أما عن الحلف المزعوم، يبدو أنّ كوخافي تجاهل أنه حلف كرتوني واهن ضعيف، ففي الخليج هو كيان زجاجي قابل للتكسير السريع من جهة وكيان سريع الالتهاب قابل للاحتراق السريع من جهة أخرى، اما في الغرب فإنّ التعويل على قبرص واليونان لمحاربة المقاومة ظنّ في غير محله موضوعياً وذاتياً.

4 ـ يبقى أمل “إسرائيل” ب​أميركا​ لتحميها من ردّ فعل المقاومة ومحورها وتشاركها في الحرب عليها. وهنا وبشكل موضوعي نقول لو كانت أميركا جاهزة للحرب التي يروّج لها كوخافي لكانت باشرتها في ظلّ الأحمق الأرعن ​ترامب​ الذي كان يرى له مصلحة شخصية فيها، أما في ظلّ ​بايدن​ فإنّ الأمر مستبعَد الى حدّ القطع بعدم إمكان حدوثه، فاستراتيجية بايدن في علاقاته الشرق أوسطية عامة ومع محور المقاومة خاصة لا تقوم على “استراتيجية القوة الصلبة”، كما يبدو من اكثر من تصرف او سلوك ليس آخرها تعيين روبرت مالي ممثلاً أميركياً خاصاً لدى إيران، التعيين الذي جعل أعداء إيران يصفونه بأنه واقعة شؤم عليهم.

في الخلاصة نقول بأنّ جيش العدو كأيّ جيش قد تكون لديه خطط متعددة لمعالجة الأخطار التي يتوقعها. وهذا أمر بديهي على الصعيد العسكري، ولكن يجب ان نميّز بين وجود الخطة كواجب عسكري لا بدّ من تنفيذه وبين فعالية الخطة والقدرة على تنفيذها وتحقيق أهدافها من جانب آخر، ومع هذا التمييز قد نسلّم بوجود الخطط، ولكن موقفنا من النتائج يختلف، وهنا نقول بأنّ العراضة القوليّة التي جاء بها كوخافي، مقرونة بالأعمال الجوية الاستعراضيّة في الأجواء اللبنانية بما في ذلك إدخال طائرات F35، كلها من قبيل الحرب النفسية او عمليات الضغط لتحقيق مآرب أخرى، فما هي هذه الأهداف التي يرمي اليها رئيس أركان العدوان؟

برأينا إنّ هناك جملة من وقائع ومخاوف حملت مسؤول العدو الإسرائيلي على إطلاق هذه المواقف والإعلان عن هذه الخطط والتصوّرات منها الداخلي ومنها الخارجي ويمكن ذكر بعضها كالتالي:

1 ـ توجيه رسالة طمأنة للداخل بأنّ “إسرائيل” باتت في مستوى من القوة الذاتية والتحالفية مطمئن وهي قوة وصلت اليها نتيجة جهدها العسكري ونجاحها السياسي الذي تمثل بالتطبيع مع بعض الأنظمة العربية والقدرة على صياغة تحالفات إقليمية عسكرية معها ومع غيرها لأول مرة في تاريخ “إسرائيل”.

2 ـ حجب حقيقة ​الجيش الإسرائيلي​ من حيث المعنويات المتردّية والتي تؤكد الدارسات الإسرائيلية بأنه في مستوى معنوي لا يؤهّله لخوض حرب، خاصة على صعيد قوى البرّ وسلاح المظليين فضلاً عن فشل القبة الحديدية وما شابهها في تحقيق الأهداف التي من أجلها أنشئت.

3 ـ توجيه رسالة الى بايدن لثنيه عن العودة الى الاتفاق ​النووي الإيراني​، باعتبار انّ الحلّ العسكري البديل لمعالجة هذا الأمر جاهز في “إسرائيل” وينتظر التفاهم والتوقيت و​الضوء​ الأخضر الأميركي.

4 ـ شدّ عصب ​منظومة​ “الحلفاء الجدد – القدامى” من الأنظمة العربية خاصة في السعودية والإمارات الذين يخشون من مراجعة أميركا للعلاقة معهم خاصة بعد أن قرّر بايدن تجميد تزويدهم بالأسلحة من باب حرب ​اليمن​.

5 ـ التهويل على محور المقاومة الذي حقق انتصاره الاستراتيجي في سورية والعراق، وإعلامه بأنّ “إسرائيل” ومن معها جاهزون لمنعه من استثمار الانتصار، وأنهم جاهزون للعودة للميدان بشكل فاعل وحاسم لتعويض الخسائر السابقة.

انّ محور المقاومة بكلّ مكوّناته يدرك جيداً حجم وقيمة وحقيقة وأهداف ما جاء على لسان كوخافي ويتعامل مع هذه المواقف كما يتوجب ان يكون التعامل الموضوعي الفطن، ورغم انه يدرك أنها حرب نفسية وتهويل غير قابل للتطبيق فإنه يعمل أيضاً على هدي القول بانّ “إسرائيل” في نهاية المطاف ستحفر قبرها بيدها وستقتدح النار التي تحرقها وتنهيها ولا يظنّن أحد أنّ ما جاء على لسان المسؤول العسكري الإيراني رداً على كوخافي بأنّ “حيفا و​تل أبيب​ ستبادان إنْ نفّذت إسرائيل شيئاً من تهديداتها”.