في الوقت الذي لا تزال فيه ​حكومة​ ​تصريف الأعمال​ تنتظر صدور قرار عن ​المجلس النيابي​ يجيز لها الاجتماع لمناقشة مشروع ​الموازنة​، الذي رفعه وزير ​المال​ ​غازي وزني​، وإقراره تمهيداً لتحويله إلى ​مجلس النواب​، في ظل وجود العديد من الاجتهادات الدستورية التي تؤكد عدم قانونية الاجتماع لهذه الغاية، لا تزال الكثير من بنود الموازنة تثير حولها علامات استفهام خطيرة، في ظل التأكيدات على أن المشروع برمّته لا ينطلق من تصور واضح يمكن ​البناء​ عليه.

في هذا السياق، تأتي المادة 110 التي أثارت البلبلة في صفوف المودعين في ​المصارف​، نظراً إلى أنها تنصّ على أن المصارف ملزمة بعد إقرار الموازنة على تسديد الودائع ​الجديدة​ بالعملة الأجنبيّة، التي يتم إيداعها نقداً لديها أو من خلال تحويلات مصرفيّة خارجيّة، بنفس الطريقة التي أودعت فيها بناء على طلب صاحب العلاقة، وأن ترفع قيمة ضمانة الودائع المشار إليها أعلاه إلى 50 ألف دولار أميركي أو ما يعادلها بالعملة الأجنبية.
في الخلفيات، تشير مصادر سياسية مطلعة، عبر "​النشرة​"، إلى أن الهدف الأساسي من هذه المادّة هو جذب استثمارات جديدة إلى البلاد، على قاعدة أن ​الدولة اللبنانية​ تقدم من خلال مادّة في الموازنة الضمانة اللازمة لذلك، في ظل ​الأزمة​ الماليّة والمصرفيّة التي تشهدها البلاد، والتي أدّت إلى الكثير من الصدامات بين المودعين والمصارف، وتلفت إلى أنّ هذا الهدف موجود في العديد من المواد الأخرى التي يتضمنها المشروع.
وبالتالي هذه المادّة، من وجهة نظر المصادر نفسها، من المفترض النظر إليها بإيجابيّة طالما أنّها من الممكن أن تعيد الثقة إلى المودعين والمستثمرين الجدد، خصوصاً أن البلاد بحاجة إلى دخول العملات الصعبة بأيّ طريقة، لإعادة تحريك العجلة الاقتصادية، بغض النظر عما إذا كان مكانها الطبيعي هو في مشروع الموازنة أو أنها تحتاج إلى نص قانوني خاص مفصل أكثر، مع العلم أن العديد من المصارف تتبع هذه الخطوة منذ فترة طويلة، وبالتالي انتفاء الحاجة اليها في الأصل.
المشكلة الجوهرية في هذه المادة، بحسب ما ترى هذه المصادر، هو أنها تتجاهل بشكل كامل مصير الودائع القديمة، أيّ تلك التي لا تزال عالقة في المصارف، بالرغم من أن مختلف القوى السياسية لم تتأخّر يوماً، منذ بدء الأزمة، في تأكيد عدم السماح بالمسّ بها، في حين أنّ عمليات السحب على أساس سعر المنصة، 3900 ليرة مقابل ​الدولار​ الواحد، مستمرّة، نظراً إلى أنّ الكثير من المودعين يفضّلون الحصول على ما يقارب 50% من ودائعهم في الوقت الراهن، بدل الانتظار بسبب فقدانهم الثّقة بالدولة أولاً وأخيراً.
انطلاقاً من ذلك، تبدي مصادر أخرى، عبر "النشرة"، مخاوفها من أن تكون هذه المادّة هي اعتراف ضمني أو توجه رسمي بالنسبة إلى الودائع السابقة بالعملات الأجنبية، الموجودة منذ ما قبل إقرار ونشر مشروع موازنة العامة 2021، لناحية عدم امكانية الحصول عليها إلاّ على أساس السعر المحدد من قبل المنصة، وبالتالي خسارة أكثر من نصف قيمتها من دون أيّ نص قانوني أو هدف يمكن البناء عليه، في حين أنّ المودعين لا يتحمّلون مسؤوليّة الإدارة الكارثيّة التي حصلت في السنوات الماضية، سواء كانت من جانب الدولة اللبنانيّة أو من قبل المصارف.
في المحصّلة، تشير هذه المصادر إلى أنّه في الوقت الذي من المفترض أن تعمل الدولة مع المصارف على خطّة واضحة لإعادة ​أموال المودعين​، بغضّ النظر عن الطريقة أو الجدول الزمني، تأتي المادة 110 من مشروع الموازنة لتقضي، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أيّ أمل بذلك على ما يبدو، الأمر الذي من المفترض التوقف عنده مطولاً من قبل القوى التي كانت تدّعي الحرص على تلك الودائع، وتعلن رفضها الذهاب إلى أي "هيركات".