من قاضٍ إلى آخر، انتقلت ​التحقيقات​ في ​انفجار​ مرفأ بيروت المروّع، من دون أن يُكشَف شيءٌ من خباياه وأسراره حتى اليوم، مع مرور أكثر من نصف عام على تاريخ الرابع من آب المشؤوم، ومع أنّ ​السلطة​ كانت ألزمت نفسها بـ"مهلة" خمسة أيام، لا أكثر، لإعلان نتائج التحقيق.

قد لا يكون "التسلّم والتسليم" بين قاضيَين من الأمور "المحبَّذة"، خصوصًا إذا ما أتى مشابهًا لعمليات "التسلّم والتسليم" بين الوزراء، حيث يختار كلٌ منهم أن يبدأ من "الصفر"، وكأنّ لا أحد سبقه، ولا أحد سيأتي بعده، فتكون النتيجة هدرًا للوقت وتضييعًا للفرص.
لكنّه بالتأكيد ليس محبَّذًا في نظام العدالة، وخصوصًا عندما يأتي نتيجة "كفّ يد" قاضٍ، لا بسبب "تحفّظاتٍ" على أدائه، قد تكون موجودة وهي أكثر من مشروعة، ولكن بكلّ بساطة، نتيجة ضغوطٍ سياسيّة، وبسبب ارتيابٍ يوصَف قانونًا بالمشروع، من قِبَل مدّعى عليهم.
لهذه الأسباب ربما، تُفهَم صرخة أهالي ​ضحايا​ انفجار ​المرفأ​، الذين شعروا أنّ أبناءهم استُشهِدوا مرّة ثانية، لأنّ هناك من لا يريد للتحقيق إلى يصل إلى "خواتيمه"، أو أن يتجاوز "حدّ" ضرب بعض الموظفين الثانويين والهامشيّين، سواء كانوا أبرياء أم مذنبين، بعيدًا عن "الرؤوس".
ومع أنّ القاضي المُعيَّن طارق البيطار من أصحاب الكفاءة والاختصاص، والشجاعة والجرأة، وفق ما تدلّ سيرته، فإنّ السؤال الكبير الذي سيُطرَح، ليس عمّا إذا كان سينجح حيث أخفق صوان فحسب، ولكن قبل ذلك، عمّا إذا كان سيُسمَح له بذلك، بعد "التجربة" غير المشجّعة!.

ملاحظات بالجملة


يرى البعض أنّ مسألة "كفّ يد" القاضي صوان ضُخّمت وسُيّست وأعطيت أكثر بكثير من حجمها، باعتبار أنّ الحكم الذي صدر عن ​محكمة التمييز​ بنقل القضية منه إلى قاضٍ آخر، لا يشكّل "إدانة" له بالمقام الأول، والأهمّ من ذلك، أنّه يُعتبَر قانونيًّا، من حيث الشكل على الأقلّ، نتيجة تقدّم الوزيرين السابقين ​علي حسن خليل​ و​غازي زعيتر​ بدعوى "ارتياب" بحقه.
ويلفت أصحاب هذا الرأي إلى أنّ "المظلوميّة" التي تمّ التعاطي من خلالها مع إعلان "كفّ اليد"، لا تبدو متناغمة مع أداء القاضي على مدى الأشهر الماضية، والذي لم يُلبّ في بعض جوانبه على الأقلّ، تطلّعات اللبنانيين عمومًا، وأهالي ضحايا الانفجار خصوصًا، سواء لجهة السرعة في إنجاز التحقيقات، التي بقيت "جامدة" لفترات طويلة، أو لجهة الشفافية والإقدام.
وإذا كان يُسجَّل للقاضي صوّان أنّه "تجرّأ" على الادّعاء على سياسيّين من الطراز الأول، في مقدّمهم رئيس ​حكومة​ ​تصريف الأعمال​ حسّان دياب، والوزراء السابقون علي حسن خليل وغازي زعيتر و​يوسف فنيانوس​، بتهمة التقصير والإهمال، فإنّ ذلك لا "يعفي" في المقابل، وفق ما يقول البعض، من تسجيل العديد من الملاحظات على فترة تولّيه التحقيقات.
ومن ضمن هذه الملاحظات أنّ القاضي صوّان لم يكن بعيدًا عن التدخّلات السياسيّة، حتى أنّه حين ادّعى على سياسيّين، لم يختَر من "الرؤوس الكبيرة" سوى رئيس حكومة تصريف الأعمال ​حسان دياب​ دون غيره من المسؤولين، لأنّ لا حزب يحميه ويحصّنه، ولو أنّ "السحر انقلب على الساحر"، فتحوّل الادّعاء على دياب إلى "خدمة العمر"، التي جعلته يتنفّس الصعداء أخيرًا.
ويُتَّهَم القاضي صوان أيضًا بأنّه كان يتصرّف وفق منطق "ما يريده الجمهور"، فأكثَر من التوقيفات، للإيحاء بأنّه "لا يرحم"، رغم أنّ هناك من يصرّ على وجود "مظلومين" خلف القضبان، بينهم موظفون وضباط صغار، لا دليل على ذنبٍ اقترفوه، بل بينهم من لا صلاحيّات أمنيّة استثنائيّة له في المرفأ، ومن كان ذنبه أنّه تحرّك "استباقيًا"، من دون أن يجد آذانًا صاغية.

الفرصة مُتاحة؟


قد تكون كلّ الملاحظات والهواجس السابقة الذكر صحيحة ودقيقة، وقد لا يكون أداء القاضي صوان هو ذلك الأداء "المثاليّ"، أقلّه من الناحية "الشعبويّة"، لا القانونيّة، وبالحدّ الأدنى في أعين "الجمهور العريض"، ويكاد يكون عدم خروج التحقيقات بأيّ نتيجة عملية خلال ستّة أشهر دليل "إدانة" كافية له، وللنظام القضائيّ برمّته.
لكنّ ما يجدر التوقف عنده هو أنّ "كفّ يد" صوان لم يحدث لأيّ من الاعتبارات السالفة الذكر، ولا حتى لأنه أظهر "تجاوزًا مجازيًا للقانون" بقوله إنّه لن يقف عند "حصانات"، وفق ما ذهبت بعض الآراء، ولكن بكلّ بساطة لأنّ اثنين من المدّعى عليهم من السياسيّين "المحظيّين" رفضا المثول أمامه، وقدّما دعوى "ارتياب مشروع" بحقه قُبِلت في الشكل والأساس.
تكفي هذه الملاحظة والمفارقة، برأي كثيرين، لنعي القضيّة من أساسها، وتبديد أيّ آمالٍ بأن تصل التحقيقات، يومًا ما، لأيّ نتيجة فعليّة، بعيدًا عن إيجاد "كبش محرقة" من هنا أو هناك، ممّن لا يتمتّعون بحصانةٍ حزبيّة أو حمايةٍ سياسيّة، لأنّها ببساطة ثبّتت أنّ الضغوط السياسية لا تزال فوق كلّ اعتبار، ولا مجال لتجاوزها أو القفز فوقها تحت أيّ اعتبار أو ظرف.
ورغم "التفاؤل" بالسيرة الذاتية للقاضي المعيَّن، يطرح كثيرون علامات استفهام عن قواعد "المسموح والمحظور" التي أعطيت له سلفًا، وعن "الخطوط الحمراء" التي لم يكن من داعٍ لإبلاغه بها، طالما أنّ تجربة صوان ماثلة أمامه، وأولها وجود "فيتو" على ايّ ادّعاءٍ يمكن أن يفكّر به على "رموز" الطبقة السياسية ورجالاتها، أو من يخصّهم من قريب أو بعيد.
مع ذلك، هناك من يعتقد أنّ القاضي البيطار قادرٌ على "الانقلاب" على مثل هذه "الأحكام المُسبقة"، إذا ما عرف كيف يعبر بين "​الألغام​"، وتجربته قد تؤهّله لذلك، فضلًا عن أنه يستطيع "استغلال" الأجواء الدوليّة والإقليميّة المُصِرّة على وجوب وضع حدّ للمماطلة في التحقيقات، وضرورة إنجازها في أسرع وقتٍ ممكن، بعيدًا عن كلّ أشكال التسطيح والتمييع الرائجة.

"ثورة" مُستحَقّة!


لعلّ ما قاله رئيس "​التيار الوطني الحر​" الوزير السابق ​جبران باسيل​ في مؤتمره الصحافي الأخير، بمُعزَلٍ عن حقيقة وقوف تيّاره، شأنه شأن سائر القوى السياسية، على مسافة جدية من ​القضاء​، كافٍ ووافٍ للتعبير عن شعور شريحةٍ واسعةٍ من اللبنانييّن إزاء القضاء.
توجّه باسيل إلى القضاء قائلاً: "أبعد عنّا كأس المطالبة بالقضاء الدولي وأعد لنا الثقة بك وأعد للناس الأمل بالحقيقة"، وقال أيضًا إنّ القضاء "متباطئ خوفاً من نتيجة مفزعة وأحياناً متسرّع خوفاً من مواقع التواصل الاجتماعي أو يكون مستنسباً لتوازنات طائفية أو حزبية أو مؤسساتيّة".
قد يكون في دعوة باسيل، أيًا كانت خلفيّاتها وحيثيّاتها، التي يمكن أن يناقش أو يجادل فيها كثيرون، ممّن يتّهمون "التيار" بالتدخّل في القضاء أو خلافه، الكثير من الصوابيّة، خصوصًا مع عودة الحديث عن تحقيقٍ دوليّ، يجد في "بطء" التحقيقات، و"استنسابيّة" الاتهامات،البيئة الخصبة المثالية.
وإذا كان هناك من يدافع، عن حسن نيّة، عن القضاء الذي يعاني أصلاً من تدخّلات السياسيين التي تكبّله وتقيّده، فإنّ الأكيد أنّه، بهيبته المطلوبة، يبقى المتضرّر الأكبر، والمطلوب "ثورة" من الداخل، تنتهي بكشف الحقيقة كاملةً، "ثورة" مستحقّة بعد "جريمة العصر" بالحدّ الأدنى!.