حفل خطاب الرئيس الامريكي ​جو بايدن​ خلال ​مؤتمر​ ​ميونخ​ الامني باهتمام واسع حيث شارك في الندوة كل من المستشارة الالمانية ​انجيلا ميركل​ والرئيس الفرنسي ​ايمانويل ماكرون​ ​ممثلين​ ل​اوروبا​.


بايدن في ندوة ميونخ عبّر بصراحة عن نية ادارته الانخراط في محادثات جدية مع ​ايران​ بشأن برنامجها النووي من خلال مجموعة 5+1 اي العودة الى ​الاتفاق النووي​ مع ايران حسب ما انتهت اليه المجموعة والذي اعتبر تاريخياً والذي اقر عام 2015.


رسائل امريكية سبقت كلام بايدن في ميونخ وصفت بالتراجع الايجابي على قاعدة خطوة مقابل خطوه وصولاً الى ملاقاة ايران في منتصف الطريق، وترجم ذلك بوقف تجديد العقوبات "الترامبية" على ايران وتخفيف قيود التنقل والسفر المفروضة على الايرانيين واخيراً قبول ادارة بايدن باعطاء ​الاتحاد الاوروبي​ صفة الوسيط لاجراء محادثات مع ايران تحت مظلة 5+1.


ايران بدورها وفي معرض ردها على الاغراء الامريكي حددت خطوتها الثابتة و نوعية مفتاح باب العودة الى الاتفاق النووي في موقف حازم بدءا من المرشد ​السيد علي الخامنئي​ مروراً برأس الدبلوماسية ​محمد جواد ظريف​ ووصولاً الى ​الحرس الثوري​ وتوابعه حددت بلاءات ثلاثة.


@ لا لتغيير صيغة اتفاق 2015 بمعنى رفض ايراني لمطلب امريكي اوروبي باشراك كل من ​السعودية​ و​العدو الاسرائيلي​ في اي مفاوضات حول برنامج ايران النووي.


@ لا لبحث اي ملف خارج اطار ما تم اقراره في الاتفاق النووي تحت مظلة 5+1، ما يعني رفضاً ايرانياً مطلقاً للبحث في ملف تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني وذلك لاعتبارات سيادية تتعلق بحماية ايران والدفاع عنها.


@ لا عودة للعمل بالاتفاق النووي قبل ازالة كافة العقوبات التي فرضت على ايران بعد اتفاق 2015 وهنا بيت القصيد.

اللاءات الايرانية لم تأت كرد فعل انما اتت بفعل رسالة قوية موجهة الى أمريكا وحلفائها في المنطقة وعلى قاعدة ايمان بان "زمن اول قد تحول" وان السطوة والظلم والعنجهية الامريكية التي مورست على ايران في عهد ترامب لم تؤت اكلها ومن غير المسموح ان تؤتي ثمارها في عهد بايدن.


وللتذكير بأن المرشد الايراني ​علي خامنئي​ سبق له ورفض عرضاً امريكياً للجلوس على طاولة التفاوض برسالة كتبت بخط يد ​دونالد ترامب​ حملها اليه ​رئيس وزراء اليابان​ "​شينزو ابي​" في 2019 وهو الذي سمع من خامنئي كلاماً واضحاً مفاده أن لا ثقة لدينا بأي ادارة امريكية جمهورية كانت ام ديمقراطية.


التراجع الامريكي الايجابي في ما خص العودة إلى ملف الاتفاق النووي قابله هجوم ايراني مدروس و متحرر من اي ضغوط، فايران بررت هجومها بالتزامها بنود الاتفاق النووي لكن امريكا نفسها هي التي نكثت وانسحبت من الاتفاق دون اي مبرر وإن من بادر الى الانسحاب عليه رتق عورته للعودة إلى الاتفاق وليس ايران، التي بدأت اللعب على قاعدة انا الغريق وما خوفي من البلل وذلك بعد نجاحها في كسر رهان دونالد ترامب الذي خرج من ​البيت الابيض​ دون أن يتلق اي ​اتصال​ هاتفي من ايران التي طالبت بدورها الزام امريكا دفع تعويضات مالية تصل الى سبعة مليارات ​دولار​ امريكي جراء الضرر الذي لحق باقتصادها نتيجة العقوبات الترامبية الغير عادلة.


طهران​ لم تغلق الابواب كلها انما تركت الباب لبايدن موارباً حيث يتوجب عليه التقاط الفرصة قبل التحلل الايراني الكامل من الاتفاق والمباشرة بزيادة نسبة التخصيب من خارج اطار الاتفاق.


وزير الدبلوماسية الايرانية محمد جواد ظريف صرح بان ايران ستعود عن خطواتها التخصيبية التصعيدية اذا رفعت ​واشنطن​ العقوبات الامريكية وعادت إلى العمل بروح الاتفاق النووي. وفي خطوة ايرانية ايجابية اضافية اعلنت ايران في بيان مشترك مع ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية​ انها ستبقي على التعاون القائم بينها وبين الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلال البروتوكول المعمول به ومن دون قيود.


اذا فإن طهران اكثر تحرراً من ادارة بايدن التي وجدت نفسها مكبلة من حلفائها في المنطقة السعودية والعدو الاسرائيلي، فالسعودية الممتعضة من القرار الامريكي وقف بيع اسلحة امريكية إلى ​الرياض​ و​أبو ظبي​، ومن مطالبة واشنطن بوقف المجزرة الانسانية بحق اليمن، واعلانها رفع الحوثيين عن ​لائحة الارهاب​، كلها قرارات صبت لصالح طهران ولو بشكل غير مباشر. ثم ان اعلان بايدن نيته العودة الى ​الاتفاق النووي الايراني​ ايضاً يصب في صالح تعزيز الدور الايراني في المنطقة على حساب حلفاء امريكا لا سيما العدو الاسرائيلي الذي يجهد في ابقاء العقوبات على ايران و تعطيل او عرقلة او الغاء فكرة العودة الامريكية للاتفاق النووي ولو ادى ذلك الى اندلاع حرب في المنطقة.


وعلى عكس ما اشيع عن الود الذي ساد الاتصال الهاتفي بين ​نتنياهو​ وبايدن فإن مصادر عليمة افادت ان ما دار بين الطرفين هو تحذير بايدن لنتنياهو من مغبة الاقدام على اي مغامرة عسكرية ضد ايران بشكل منفرد او بالاشتراك مع ​الدول الخليجية​.


تدرك ادارة بايدن ان اي مغامرة عسكرية في المنطقة لن تكون مقتصرة على الجغرافية الايرانية وستكون نتائجها كارثية و بالغة التكلفة.


خطوات التراجع الامريكي لن تكون مقتصرة على الملف النووي حصراً والسبب هو ان ادارة بايدن تسعى الى تجنيب المنطقة مواجهة شاملة مع الاستفادة من حالة عدم الاستقرار مقابل التفرغ لمواجهة اقتصادية وسياسية محتدمة مع ​الصين​ و​روسيا​.

فالعودة الامريكية الى الاتفاق النووي وانهاء ​الحرب اليمنية​ هما خيار التكلفة الاقل، وانطلاقاً من ذلك يتدرج تراجع الهيمنة الامريكية على المنطقة وقد يكون مقدمة للانسحاب الامريكي من ​العراق​ وسورية. اما بقاء القواعد الامريكية وقواتها في هذين البلدين فقد يعني تكبدها خسائر بشرية بتكلفة باهظة لا يمكن لامريكا تحملها.

ومع اختلال الميزان الامريكي في المنطقة فان مصلحة ادارة بايدن تكمن في الاقدام على رفع للعقوبات وهو بيت القصيد و الخيار الاقل تكلفة.