حدد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الاثنين المقبل موعداً لاجراء ​الاستشارات النيابية​ الملزمة لتسمية شخصيّة لتشكيل الحكومة العتيدة. ويتوقع كثيرون ان يتمّ ارجاء هذه الاستشارات كما حصل سابقاً، لايام اخرى، وذلك افساحاً في المجال امام المزيد من الاتصالات والمشاورات للاتفاق على اسم تتم تسميته في النهار الاستشاري الطويل. ووفق ما تمت ملاحظته، فإن "فيتوات" عديدة سقطت على اسماء كان من الصعوبة بمكان طرحها على سبيل البحث، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: النائب نجيب يمقاتي، النائب فيصل كرامي، السفير نواف سلام... واذا ما اخذنا بالاعتبار ان المحظورات سقطت عن هؤلاء، فمن الطبيعي الاعتقاد انها سقطت عن غيرهم ايضاً، بحيث لم يعد التوجه السياسي هو العائق الاساسي امام هذه الشخصية او تلك، انما الانتماء المناطقي والقدرة على التأثير في التوجّه الانتخابي، وهو المعيار الجديد لمعرفة ما اذا كان الاسم مستفزاً ام لا، او يمكنه استقطاب اجماع او شبه اجماع ام لا.

اما العامل السياسي والاقتصادي، فلا مكان له في المعادلة الجديدة، لانّه بات معروفاً ومسلّماً به للجميع، ان الامر لم يعد ضمن الحدود اللبنانية، بل تعداه الى الحدود الدوليّة، ووفق مفهوم الدول المؤثّرة، لن يكون هناك من رفاهية لوضع برنامج للحكومة، لانه سيكون معداً سلفاً ولن يتمحور حول امور كانت تشكل عقبات كبيرة اهمها مسألة حزب الله وسلاحه. ومنذ ان حطّ الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رحاله في بيروت بعد انفجار 4 آب العام الفائت، كان الابرز في مبادرته تحييد هذا الموضوع وعدم اعطائه الاولويّة. وعلى الرغم من الاجماع على انّ المبادرة الفرنسية اصيبت بالكورونا اللبنانية، الا ان هذا البند بقي حياً معافى ولا مجال لتدهور حالته، اقله في المدى المنظور، وخصوصاً بعد رحيل الادارة الاميركية السابقة. وبالتالي، فإن خريطة الطريق المعدّة لن تتغيّر، بل سيتم تبنّيها بحسناتها وسيئاتها، وتبقى العبرة في القدرة على المناورة في التنفيذ -على عادة اللبنانيين- بضمان الحصول على اكبر نسبة ممكنة من الحصص، فيما ستكون عمليات التلزيم العنصر الرئيسي للمرحلة المقبلة نظراً الى كثرة المشاريع وغزارة المجالات التي يمكن الدخول اليها بعد هذه الازمة الخانقة.
كل هذه المعطيات تدلّ على انّ تأجيل الاستشارات ممكن، ولكن ليس الى وقت طويل، مع التركيز على ان تجربة السفير مصطفى اديب لن تتكرّر، لا من حيث الشكل ولا من حيث الاستقالة السريعة، ولكن لو كانت الظروف التي تمّت فيها تسميته مشابهة للظروف الحاليّة، لكانت حظوظه في ترؤس حكومة عملية وفعلية، كبيرة جداً، خصوصاً انه لا يشكّل خطراً على اللاعبين الاساسيين في الانتخابات النيابية، وهو من خارج اللاعبين السياسيين الاساسيين والثانويين، ولو انّه كأيّ شخص آخر لديه ميول سياسية معيّنة.
ومن المتوقع ألاّ يكون هناك من هامش كبير للنائب سعد الحريري لإفشال تسمية سواه، كما حصل إبّان تسمية اديب وبعد تسمية حسان دياب، والاهم الا يكون الاسم المطروح مستفزاً للحريري انتخابياً، وكل ما عدا ذلك قابل للبحث ويمكن تخطّيه، لانّه يهم الحريري اعادة الاعتبار اليه لجهة مساهمته في "انقاذ البلد" واعادة الاعتبار لمقام رئاسة الحكومة، واستثمار هذا الامر شعبياً للانتخابات المقبلة. وبالتالي، يمكن القول ان الاستشارات النّيابية، وفي ايّ وقت ستجرى، سيكون للصوت الدولي فيها حصّة الاسد، لانه اذا سارت الامور كما يجب، فإن رئيس الحكومة سيكون صورياً وستكون الفاعلية للاعبين الدوليين، الى ان تجرى الانتخابات النيابية ومن بعدها الرئاسيّة، فتكون الصورة قد اتّضحت ولم يعد هناك من عوامل خفيّة او سرّية، وتكون الخطوات الاولى قد اتخذت بالفعل من النواحي الاقتصاديّة والماليّة وغيرها...