ما إنْ تمّ إشاعة خبر إمكانيّة تسمية نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة، حتّى بدأت تساؤلات العلويّين عن حقّهم في وزير.
وحصلت التّسمية، وانطلقت الأحلام تطير في فضاء مواقع التّواصل العلويّة ممزوجة بكثير من الآمال البائسة المتردّدة بين تصديق وتشكيك وعدم مبالاة.
كان المندفِعُ نحو ترويج الخبر الوهم يطرح معادلات انتخابيّة يضعها ميقاتي في ميزان تحالفاته القادمة؛ إذ أنّه سيجرف أصوات العلويّين لو أقدم وقدّم وزيراً لهم، سيقلب الطّاولة على كلّ قرار ومقرّر، وسيردم الخلافات النّاقمة عليه بعد فشل نائبهم في كتلته، الّذي ساهم بقطع كلّ خيوط الاتّصال مع مكاتب تيّاره، لحصرها بيده فقط، فقطع الخيوط، ولم يصل أدناها، إلاّ فيسبوكيّا.
وراح المشكّكُ ينطلق من الواقع الطّائفيّ المرير الّذي يكبّل كلّ زعماء لبنان، وأوّلهم ميقاتي، الّذي تتغلّبُ سنّيّته دوما على وطنيّته، فلن يجرؤ على إعطاء(أتباع النّظام السّوريّ) حسب نظرة كثير من يمثّلهم؛ وزيراً، سيشكّل تنازلا ضعيفاً في غير وقته، قد يثير حساسيّات تلك الشّريحة الانتخابيّة النّاقمة على العلويّين.
أمّا الواقفون على هامش الإحباط (أمثالي)، فقد تملّكهم القرف من التّاريخ اللبنانيّ المقيت، وأرهقهم الواقع العلويّ المرير، فلا يرون خلاصاً أو منفعة لا بوزير، حتّى ولا برئيس.
فالتّجربة السّياسيّة لعلويّ لبنان نيابيّا غير مشجّعةٍ بالمطلق؛ كانت ولا زالت مستمرّة بالفشل ذاته، والمكسب سيكون شخصيّا للوزير المفترض وحاشيته فقط؛ فللعلويين منه الاسم، وله كلّ الامتيازات، في زمن تثبت فيه كلّ السّلطات فسادا متماديا لا يتوقّف.
وفي المعطيات السّياسيّة، فإنّ حال العلويّين مع ميقاتي مختلف جدّا، عن وضعهم مع سعد الحريري بشكل كبيرٍ، ذلك أنّ الأوّل خبير جدّاً بواقع جيرانه: يعرف آلامهم وآمالهم، وقيادات تيّاره على تماسّ مباشر يوميّ مع العلويّين( بعيدا عن النّائب علي درويش الّذي يحرص على عدم اللقاء إلاّ بمعرفته وفي مكتبه)، يسمعون قصصهم ومآسيهم، يساعدون في قليلٍ منها، مع سياسة هروب منظّمة عندما تكون القصّة كبيرة.
في حين كان الحريري بعيداً، أقصى ما يكون البعد، ولم يستطع القيام بمبادرة واحدة تجاههم، بل ترك الفجوة تتّسع على مدار 13 سنة حتّى خسر نائبين دفعة واحدة، بعد أن احتجزا تمثيل العلويّين طوال فترة (2005- 2018)، وقيادات تيّاره شبه منقطعة عنهم، وإن اصطفّت بعض الجمعيّات من جبل محسن على أبوابها.
ثمّ يذهب بعض العلويّين إلى القول: أنّ ميقاتي لم تتقطع علاقاته يوما ما، بشكل كليّ، مع القيادة السّوريّة، نعم، قد تختفي وتضعف حسب الهجمة والمصلحة، لكنّه يحرص على إبقاء بعض الخيوط للضّرورة، وما اجتماعات النّائب العلويّ في كتلته (علي درويش) المتكرّرة في السّفارة السّوريّة إلاّ خير دليل على صحّة ما نذهب إليه، وإنْ اكتستْ لبوس مصلحة العلويّين في الظّاهر، فنائب علويّ في السّفارة السّوريّة شيء طبيعيّ وأقلّ من طبيعيّ، أمّا في السّياسة فلن يجرؤ النّائب (درويش) على الجلوس مع السّفير السّوري لو لم يكن هناك من تغافل نوعا ما، إذا لم يكن هناك مباركة لهذه اللقاءات.
أمّا الحريري فلا نعرف إذا كان قد منع النّائبين السّابقين عن العلويّين في كتلته من التّنسيق نفسه مع السّوريّين من أجل قضايا علويّة داخليّة، أم خافا فتراجعا؟.
وفي اجتماع خاصّ لنا مع ميقاتي(1 آذار 2018)، كنّا أوّل من استشارنا (كما نظنّ علويّا) باسم مرشّحه للانتخابات القادمة، وطلب منّا اختيار اسم من بين ثلاثة، فكانت غلطتنا الكبرى أن اخترنا الحالي، فقال: على نيّة الله ورسوله.
قلت لميقاتي عندها: أنّ هناك حقول ألغام اجتماعيّة وسياسيّة ونفسيّة بين جبل محسن ومحيطه الطّرابلسيّ، وهي تحتاج كاسحة ألغام.
قال: سيكون نجيب كذلك.
واليوم، فقد أزيلت كل هذه الحقول، ولم نعد نلمح لها أثراً، بعد ثورة 17 تشرين الأول 2019 الّتي جمعت الموجوعين من المنطقتين ضدّ زعماء السّلطة، ولأوّل مرّة صرنا نشاهد تحيّات للتّبانة تنطلق من قلب جبل محسن، في مقابل صعود ناشطين من طرابلس للتّضامن مع أهالي الجبل في الاشتباك الأخير الّذي ما كنّا نحبّه ولا نرتضيه مع الجيش اللبنانيّ، وهنا سؤال جانبيّ:
لماذا يُقمع احتجاج جبل محسن بفائضٍ من الشّدّة، في حين نرى التّساهل في الاحتجاجات الشّعبيّة الأخرى الّتي تجتاح لبنان من شماله إلى جنوبه؟.
وفي النّهاية، فهل استطاع النّائب درويش اقناع رئيس كتلته، رئيس الحكومة المكلّف بالمصلحة المشتركة بتوزير العلويّين حسب تصريحه الأخير؟ خصوصا وقد ضجّت ساحات حاشيته بالحديث القديم الجديد أنّه سيكون سعادة المعالي؟ أم أنّه كعادته يحكي كثيراً، ويذهب كلامه جفاء كالزّبد. والسّؤال الختامي: هل يفعلها ميقاتي؟ شخصيّا لا أعتقد.

















































