تتقاطع الآراء والمواقف على أنّ الانتخابات هي، بشكل مطلق، مصدر تعبير ديمقراطي للشعوب، وانها تجسّد تطلعات وآمال الناس التي تطمح الى الافضل في مسيرتها الحياتية. هذا الامر صحيح، وهو محطّ تقدير بطبيعة الحال، الا أن الانسان سرعان ما اكتشف ان وسيلة التعبير هذه لا تصبّ دائماً في مصلحة من يرغبون في تولّي شؤون الناس وتنفيذ طموحاتهم واحلامهم، فعمد البعض الى تشويه هذا المسار الديمقراطي وتحويله الى وسيلة لـ"أسر" الناس وجعلهم يرضخون بشتى الوسائل، الى رغبة وطموح واحلام المسؤولين ورؤساء الاحزاب والتيارات السياسية. وإذا كانت الولايات المتحدة، وهي أقوى دولة في العالم، قد اتّهمت روسيا بالتدخل والتأثير في مسار الانتخابات الرئاسية لايصال ​دونالد ترامب​ الى البيت الابيض، فإنّ دولاً اخرى كبرى وصغيرة، تعرّضت وتتعرض ايضاً لمثل هذا التأثير والتدخل.

اما في لبنان، فلا حاجة للتذكير بأن كل الدول تتمتع بحضور ونفوذ فيه، من خلال شرائح من المجتمع اللبناني، وبواسطة اللاعبين المحليين الذين يقومون بكل ما يلزم لابقاء الامور تحت سيطرتهم والتنافس على استقطاب اكبر عدد من اللبنانيين للوصول الى البرلمان. من هنا، تكتسب ​الانتخابات النيابية​ في لبنان طعماً خاصاً، مع العلم ان الشواهد كثيرة على مرّ التاريخ بأن اللبنانيين لم يتعلموا دروسهم، وهم يعيدون الكرّة مرة تلو الاخرى بالتصويت لنفس الاشخاص او من يمثلونهم، ويقعون في الفخ من جديد. هذه المرة لا تختلف المعادلة، اذ بدأت حمّى الانتخابات باكراً، وبدل التنافس على توفير الحلول الافضل والبرامج والاصلاحات الامثل لانتشال لبنان من الهاوية التي يقبع فيها، نجح اللاعبون المحليّون انفسهم في الحصول على "صك براءة" دولي يقضي باجراء الانتخابات بتسهيلات كبيرة ومن دون شروط تعجيزيّة. وينطلق كل لاعب من العوامل التي تريحه، من دون أن يعني ذلك التناغم مع مصلحة الناس.
فالخارج يرغب في الاسراع في اجراء الانتخابات، وسيوافق على نتائجها مهما كانت، وهو بذلك يريح الرأي العام في بلده، ويظهر له انه ضغط وسعى واشترط اجراء الانتخابات لايصال صوت الناس، وان النتائج اتت كتعبير عن هذه الاصوات ولا يمكنه التدخل اكثر من ذلك.
اما على الصعيد المحلي، فاللاعبون يسرحون ويمرحون وكل شيء مُباح في لعبة الانتخابات. ف​حركة أمل​ مثلاً سارعت للموافقة على تقديم موعد الانتخابات "نكاية" بالتيّار الوطني الحر، ولابقاء تحالفاتها من دون تغييرات تذكر، لا بل تعزيزها في الفترة الزمنيّة القصيرة التي تسبق الانتخابات.
اما الوطني الحر، فيرغب في عدم تقصير المهل، لعلمه بأنّه يحتاج الى وقت للتغلّب على منافسيه في الطائفة، ولـ"دوزنة" علاقته مع ​حزب الله​ التي تمر بفترة دقيقة، والامل بتحقيق انجاز ما يضعه في خانة مساعيه فيدخل الانتخابات اكثر راحة.
حزب الله يعمل على كل الخطوط، فوضعه الانتخابي لن يتأثر بفعل ضمانه اصوات محازبيه ومؤيديه، ولكن اللعبة ستكون في تحالفاته وقدرته على تجيير الاصوات لهذا الطرف او ذاك في مناطق معيّنة، ناهيك عن مصالحه في تفضيل لاعبين من الطائفتين المسيحيّة والسنّية على سواهم.
القوات اللبنانية​ والكتائب يتقاتلان لكسب معركة تقديم موعد اجراءالانتخابات، لحصد نتائجها ووضعها في خانة كل منهما بعد ان طالبا بانتخابات مبكرة، ولو ان المسألة لم تتعدَّ الاسابيع القليلة، الا انه يمكنهما تسويقها على اعتبارها صدى لمطالبتهما وهو أمر من شأنه اعادة الاعتبار اليهما والتعويض عن غيابهما عن الحكومة. مع التذكير بأنّ القوات عادت الى شدّ العصب المسيحي بعد "خميس الطيونة الأسود"، ويحصد رئيسها تعاطفاً في الشارع المسيحي ينمو يوماً بعد يوم بسبب التداعيات المترتبة عن الحادثة.
اما رئيس الحزب الاشتراكي ​وليد جنبلاط​ فيخوض المعركة الانتخابية تحت شعار الحدّ من الخسائر والتحالف الدائم مع رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ لابقاء حضوره فاعلاً على الساحة، في ظلّ تنامي التيارات السياسية الدرزيّة الاخرى.
وعلى الرغم من غيابه الاعلامي عن الساحة، يبقى النائب ​سعد الحريري​ حاضراً ومن المتضررين بتقديم موعد الانتخابات، لأنّ عليه العمل بشكل اكبر لمواجهة المشاكل العديدة التي تقف في طريقه من عملية استعادة الاصوات التي فقدها، الى استراتيجيّة مقاومة الاطراف السنّية الاخرى على الساحة ومنها احد افراد العائلة: بهاء.

الحكومة من جهتها، لا مشكلة لديها في تقريب موعد الانتخاب، وحساباتها تنطلقمن انها بالاصل حكومة انتخابات، وستلقى تأييد العالم بسبب نجاحها في الالتزام بوعدها بحصول الانتخابات النيابية، ناهيك عمّا قاله وزير الاقتصاد والتجارة امين سلام وتفسيره انّ الاموال من الخارج لن تأتي قبل اجراء الانتخابات، وهو ما يدلّ على حماس الحكومة في هذا المجال لقطف ثمار مايمكن ان يحصل ووصول دفعة من الاموال الى لبنان، فتكون الحكومة بعمرها القصير، قد نجحت في وضع لبنان على خط مسار النهوض الطويل.
كل يعمل من اجل الانتخابات، والتمثيل بدأ بفاعلية على المقترعين، وكلّ يغنّي على ليلاه...