بعد غياب، ليس واضحًا إن كان قسريًا، استمرّ منذ اعتذاره عن تشكيل الحكومة، على وقع ما اعتُبِر "فيتو" خليجيًا، وتحديدًا سعوديًا عليه، إضافة إلى التباينات "العميقة" مع رئيس الجمهورية ​ميشال عون​، عاد رئيس تيار "المستقبل" ​سعد الحريري​ إلى ​بيروت​، واضعًا حدًا للتكهّنات التي راجت في الأسبوعين الماضيين، حول موعدها، وطبيعتها، وأجندتها.

عاد الحريري إلى بيروت، من دون أن يكسر "صمته"، أقلّه حتى الآن، حيث التقى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، وزار ضريح والده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، ويُقال إنّه باشر بسلسلة اجتماعات "داخلية" مع قياديّي ونواب تيار "المستقبل"، من دون أن يفصح عن "كلمة السرّ" الموعودة.

رغم ذلك، ثمّة من يؤكد أنّ عودة الحريري "مؤقتة" ليس إلا، وقد تكون بمثابة "إجازة مستقطعة" لا أكثر ولا أقلّ، على أن يعود قريبًا جدًا إلى الإمارات، حيث يستقرّ في الآونة الأخيرة، ولا سيما أنّ قراره بـ"العزوف" عن خوض الانتخابات المقبلة ما يزال "طاغيًا"، ولو أنّ "الشيخ سعد" يتعمّد الحفاظ على "التشويق"، عبر تركه لربع الساعة الأخير.
فهل "حسم" سعد الحريري فعلاً قراره، وهو جاء إلى بيروت لإعلانه لا أكثر ولا أقلّ؟ وما مصير "كتلته" في حال عزف هو عن الترشح؟ هل سيدعم لوائح لتيار "المستقبل"، أو للحلفاء مع ضمّ وجوه "مستقبليّة" إليها، أم أنّ "المقاطعة" ستكون شاملة، وسيكون التيار "الغائب الأكبر" عن الانتخابات في الشكل والمضمون؟.

قد لا تكون الإجابات "الوافية" ناضجة بعد، أو معروفة حتى لدى المعنيّين، وأوّلهم نواب تيار "المستقبل"، الذين يبدون "مرتبكين"، وقد وجدوا أنفسهم في الساعات الأخيرة جزءًا من "الحرب النفسية" الدائرة حولهم، أو ربما من "التسريبات"، خصوصًا أنّ أيًا منهم لا يبدو أنّه "يعلم" فعلاً ما هو القرار "النهائي" للحريري.

فتزامنًا مع عودة الحريري، خرج القيادي في تيار "المستقبل" النائب السابق ​مصطفى علوش​، ليعلن أنّ رئيس تيار "المستقبل" اتخذ قراره "النهائي"، جازمًا بأنّ "لا رجوع" عن هذا القرار. لكن، عندما سئل عن فحوى هذا القرار، كاد "يقسم" أنه لا يعرفه حتى الآن، وأنّه ينتظر الاجتماع مع رئيس تيار "المستقبل" ليتبلّغ بطبيعته.
ومثله فعل النائب ​هادي حبيش​، الذي نفى علمه بالقرار الذي اتخذه الحريري، حتى أنّه كشف أنّه "استفسر" عن بعض التسريبات التي تحدّثت عن إبلاغ الحريري مفتي الجمهورية قراره عدم الترشح، "فقيل له إنه غير دقيق"، من دون أن يكون قادرًا هو الآخر على "حسم" صحّة هذه المعلومات من عدمها، وفق ما بدا واضحًا.

لا شكّ أنّ هذا الارتباك أكثر من "معبّر"، خصوصًا من قبل نواب يقول بعضهم إنّهم سيخوضون الانتخابات، أيًا كان قرار الحريري، لكنّهم ينتظرونه ليبنوا على الشيء مقتضاه، فإما يكونون على جري العادة ضمن اللوائح المدعومة منه، أو يذهبون لنسج تحالفاتهم الخاصة، أو يسيرون "على خطى" قائدهم، فيعزفون أيضًا عن خوض المعركة.
هكذا، تبدو كلّ الخيارات واردة ومفتوحة، إلا أنّ "المحسوم" حتى الآن، وفقًا لكلّ التقديرات، فهو وجود "اتجاه" لدى الحريري بعدم الترشح "شخصيًا"، وقد تمّ التمهيد لهذا القرار منذ أشهر، حتى أصبح اليوم "بديهيًا"، وبالتالي فقَد عنصر "المفاجأة الدرامية"، إن جاز التعبير، خصوصًا أنّ الرجل يعتقد أنّه يفتقد الكثير من المقوّمات لخوض المعركة.

رغم ذلك، ثمّة من لا يزال يحاول "التخفيف" من وقع هكذا قرار، عبر "تشبيه" الحريري في هذه الحال، بسائر "الزعماء" الذين حافظوا على حيثيّاتهم، رغم تخلّيهم عن مقعدهم النيابي، كرئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" ​وليد جنبلاط​، ورئيس تيار "المردة" ​سليمان فرنجية​، أو لم يكونوا نوابًا أساسًا، كرئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​.

لكن، إذا كان البعض يعتقد أنّ هذه المقارنة "لا تستقيم" لأنّ الحريري ليس كهؤلاء، هو الذي بات "مغتربًا"، في حين أنّ كلّ هؤلاء يتابعون الشؤون التنظيمية والسياسية لأحزابهم بصورة مباشرة، فإنّ البعض الآخر يشير إلى أنّ "الأزمة" قد تكون أكبر من ذلك، خصوصًا أنّ خيار "المقاطعة الشاملة" لا يزال مطروحًا، وبقوة.
ثمّة من يقول إنّ فكرة عدم خوض الحريري للمعركة شخصيًا، لكن مع تبنّيه للوائح باسم تيار "المستقبل" أو مدعومة من جانبه، قد تكون "الأفضل" في ظلّ الظرف الحاليّ، فهي تحفظ له "هامشًا من الحركة"، ولا تسمح لـ"الطامعين بوراثته وهو حيّ"، وهم كثُر، لـ"احتكار" الساحة، وملء "الفراغ" الذي لا شكّ سيكون "كبيرًا".

لكن ثمّة من يعتقد أنّ هذه الفكرة، وإن نالت جزءًا من النقاش، قد لا تكون سهلة التحقيق، فما يمنع الحريري من الترشح شخصيًا، قد يمنعه من إدارة أيّ عملية انتخابية باسم تياره بصورة رسمية، فهو لا يملك "المباركة" الخليجية، التي لطالما شكّلت أساس حملاته الانتخابية، وأكثر من ذلك، لا يملك الأموال المطلوبة لإدارة الاستحقاق، وفقًا لكثيرين.

من هنا، فإنّ سيناريو "الانكفاء التام" لا يزال يتقدّم بقوة، مع ترك "الحرية" للنواب لخوض الاستحقاق، إن شاؤوا، بتحالفاتهم الخاصة، و"مواردهم" الذاتية، إن وُجِدت، إلا أنه سيناريو قد يعني "خروج" الحريري الكامل من الساحة، واعتزاله "السياسة" بشكل أو بآخر، وهو ما يخشاه كثيرون، من خصوم الرجل الشرسين قبل حلفائه.

في انتظار الموقف النهائي، الذي تشير بعض المعطيات إلى أنه قد لا يُعلَن قبل الرابع عشر من شباط، يبدو "الثابت" أنّ الحريري، الذي تحوّل إلى "الحدث" بعودته إلى بيروت، وسط تقصٍ لاجتماعاته، ورصد لتحركاته، لحظة بلحظة، أنه لا يزال يحتفظ بـ"حيثية"، قد يكون من المفيد أخذها بعين الاعتبار في رسم "خريطة طريق" الانتخابات وما بعدها!.