إنها السّاعة الواحدة والرّبع من ظهيرة يوم الواحد والعشرين من شهر آذار من عام 1994. يوم عيد الأم. كان يوم تدريس عاديّ في مدينة النبطيّة، إنتهى وقته في بعض المدارس عند السّاعة الواحدة، خرج التلامذة من صفوفهم ليلتحق كلّ بالحافلة الخاصّة لنقله إلى منزل ذويه، وكلّ واحد منهم يحمل لأمّه هديّته المتواضعة ماديّا، الغاليةالثّمن معنويّا. خرجت زينب سليمان (13 عاما) مع أختها كرم وأخويها خضر وقاسم، خرجت بيدها وردة بيضاء نقيّة بنقاء وبراءة طفولتها، تسبقها ورفاقها إلى الحافلة خطوات اللّهفة والشّوق للوصول إلى منزل ذويهم، ليقدّموا لأمّهم هديّة عيدها.يكتمل عدد تلامذة الحافلة (30 تلميذ وتلميذة)، لتنطلق معتناغم أصواتهم التي تتراقص فرحا مع بعضها، على وقع ضحكات البراءة، وتعابير الفرح، وعلامات الحياة الممزوجة بالبراءة والحيويّة. تسلك الحافلة كعادتها إحدى شوارع مدينة النبطيّة، لتلتقي مع عقارب السّاعة الواحدة والدقيقة الثلاثين ظهرا. يزداد فرح التلامذة الأطفال مع اقتراب وصولهم إلى منازلهم، يرتفع صوت ضحكات براءتهم، تزداد تعابير الفرح على وجوههم النديّة، ليخرق المشهد على حين غرّة، صوت مألوف في المكان، دخيلٌ فيالزمان، قلب المشهد رأسا على عقِب، محوّلا صوت الضّحكات إلى صراخ، وعويل، وبكاء!إنّه صوت قذيفة إسرائيليّة من بين عشرات القذائف،أطلقتها مدفعيّة العدوّفي تلك اللّحظة على أحياء مدينة النبطيّة.صوت تلك القذيفة دوّى في أرجاء المدينة، فارضا رعبه على غيره من الأصوات، ترافقه غيمة سوداء حجبت كلّ ما يمكن رؤيته في المكان.لم يكن أحد يعلم حقيقة ما جرى، حتّى التلامذة الأطفالجهلوها لبراءتهم، إلّا أنّهم أحسّوا بالموت الأسود المختلط بالدماء والأشلاء يحوم بينهم، ويحملق إلى وجوههم، ليخطف أربعة منهم، ويجرح ما يربو على العشرة. تلاشى صوت الغدر، وإنجلت سحابة الموت القاتم، مخلّفة وراءها مشهدا لم يكن جديدا على عدوّ غاشم امتهن فنون الغدر، والقتل، وارتكاب المجازر بحقّ الأبرياء من الأطفال، والشّيوخ، والنّساء. إنجلت سحابة القتل والغدر، تاركة بصمات الدمّ الأحمر القاني على وردة حياة بيضاء، تحتضن يد زينب، شهيدة جاثية على ركبتيها، تحت أحد مقاعد حافلة الموت الغادر، لكأنها تودّي صلاة العاشقين الوالهين.

الجيش والشّعب والمقاومة

تحت عنوان ""العدو الاسرائيلي ينشر صوراً للشهيد هادي حسن نصرالله"، نشر أحد المواقع الاخبارية اللبنانية خبرا جاء في مضمونه: "نشر اعلام العدو الاسرائيلي عددا من الصور للشهيد هادي نصر الله، نجل الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. واستشهد نصرالله في معركة جبل الرفيع في الثاني عشر من ايلول 1997، بعد مواجهات مشتركة للمقاومة اللبنانية والجيش اللبناني مع قوة احتلال إسرائيلية متقدمة باتجاه بلدة عربصاليم في جنوب لبنان، إلى جانب رفيقيه علي كوثراني وهيثم مغنية. واستشهد في المواجهات ست عناصر من الجيش اللبناني بينهم الملازم أوّل الشهيد جواد عازار. أسرت جثتي الشهيدين هادي نصر الله وعلي كوثراني، واخذتا إلى مستشفى مرجعيون ثم إلى فلسطين المحتلة. مع الاشارة الى ان لبنان استعاد جثة الشهيد نصر الله في 26 حزيران 1998 حين قامت السلطات الإسرائيلية بتسليم 40 جثة لشهداء لبنانيين وإطلاق سراح 60 أسيراً لبنانياً (بينهم 10 معتقلين كانوا محتجزين في السجون الإسرائيلية في فلسطين المحتلة و50 آخرين من معتقل الخيام)، ...وبالمقابل سلم حزب الله رفات الرقيب الصهيوني إيتامار إيليا من وحدة الكوماندوس في سلاح البحرية في القسم العسكري في مطار اللد والذي قتل مع 11 ضابط وجندي إسرائيلي آخرين من الكوماندوس البحري خلال مهمة خاصة في لبنان في عملية انصارية".

المقاومة ومعادلات القوّة

أوردت احدى الصحف اللبنانيّة خبرا في الصّفحة الثّالثة من عددها الصّادر نهار الجمعة في 25 حزيران 1999 جاء فيه: "بدأت اسرائيل منذ مساء أمس بشنّ عدوان هو الأوسع والأعنف على لبنان منذ عدوان نيسان عام 96 مستخدمة السلاح الجوي والبحري والبري ومستهدفة المناطق السكنية واهدافا حيوية من جسور وخطوط توتر عال ومحطة كهرباء الجمهور".
...وردّت المقاومة في وقت متأخر من الليل بقصف الجليل والمستعمرات الاسرائيلية بعشرات الصواريخ التي بدأت تنهال اعتبارا من الساعة الحادية عشرة والثلث على دفعات حيث احصي اطلاق اكثر من 80 صاروخا حتى منتصف الليل ما ادى الى مقتل اسرائىليين واصابة عدد آخر بجراح.
وكانت المقاومة قصفت بالصواريخ على اربع دفعات نهار وعصر امس الجليل ومستعمرة كريات شمونة ردا على الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على المدنيين ما ادى الى جرح 5 اسرائىليين"...

لننزع سلاح المقاومة... ولكن

فلننزع سلاح المقاومة ولكن من يكفل للأمّهات أن لا يستقبلن أطفالهن جثامين مقطّعة الأشلاء، تُلفّ نعوشهم بعلم الموت، وتُعلّق صورهم على أعمدة إنارة الطرقات المطفأة إلّا من نورهم، وفي السّاحات العامّة، وتتصدّر أسماؤهم الصّحف، والجرائد، وعناوين نشرات الأخبار، مغيّبة عن محافل حقوق الطفولة، وشرائع الإنسانيّة، وقرارات مجلس الأمن.فلننزع سلاح المقاومة ولكن من يكفل لأطفالنا وأجيالنا أن ينعموا برغد العيش وهنائها، ويحصلوا على أبسط حقوقهم في الأمن والأمان، والطمأنينة والإطمئنان.
فلننزع سلاح المقاومة ولكن من يساند جيشنا، ويكون له العون والعضد، الممنوع حتّى من حماية نفسه، وامتلاك الأسلحة التي تكفل له ولشعبه ووطنه الحماية الملائمة.
فلننزع سلاح المقاومة ولكن من يحمي شعبنا، أرضنا، بحرنا، جوّنا، حدودنا، مرافقنا، بنيتنا التحتيّة، وثرواتنا البشريّة والطبيعيّة، مع ضمان حقّنا في الإستفادة منها.
فلننزع سلاح المقاومة ولكن من يضمن لنا حماية تحرير الأرض والأسرى، وإنجاز تحويل العين التي لا تستطيع أن تقاوم المخرز، إلى المخرز بعينه.
فلننزع سلاح المقاومة ولكن حذاري من أن تُنتزع معه الكرامة، والشّرف، والسّيادة، وعزّة النفس والإباء.