مَا أَجملَ التَّجوُّلَ في دَيرِ القِدّيسَةِ كاترينا في سِيناءَ في عيدِ التَّجلّي، ومَا أَروعَ أن نَقِفَ بِكُلِّ خُشوعٍ أَمامَ فُسيفَساءِ التَّجلّي[1] فيه. أَكثرُ مِن ١٥٠٠ سنّةٍ مَرَّت علَيها، وهي قائِمةٌ وشاهِدَةٌ عَلى الصَّلواتِ الّتي قامَت في الدَّيرِ، وما جَرى فيه مِن أحداث.

عُمرُها[2] مِن عُمرٍ الدَّيرِ الّذي أَمَرَ بِتَشييدِهِ الإمبرَاطورُ "جوستنيان الأَوّل"، في العامِ ٥٣٠م. حَالَتُها مُمتازَةٌ، وجَمالُها أخَّاذٌ، ولم تَخضَعْ لأَيَّةِ عَمَلِيَّةِ تَرميمٍ كَغَيرِها في "رافين" مثلًا، فقط تَمَّ تَنظيفُها مِمَّا تَكَدَّسَ عَليها مِن غُبارٍ وصُمغٍ على مَرِّ الزَّمَن.

هِي مَوجُودَةٌ في حِنيَةِ الهَيكَلِ، ويَذكرُ كتابُ[3] كُنوزَ الدَّير، أنَّ حائِطَ الأيقُوناتِ (Iconostase) الخَشَبيّ الَذي يَفصِلُ الهَيكَلَ عن صَحنِ الكَنيسة، والّذي يَعودُ إلى القَرنِ السَّابِعَ عَشَر، يَحجُبُ رُؤيةَ الفُسَيفَساء بشكلٍ شِبه كامل، إذ يعلُوه صَليبٌ يلامِسُ السَّقفَ، بَينَما حَائِطُ الأَيقُوناتِ الأَصليّ، كانَ مِنَ الرُّخامِ وأَقَلَّ انخِفاضًا، ويَجعَلُ الدَّاخِلَ إلى الكَنيسَةِ يَنجَذِبُ أوَّلًا إلى الفُسَيفَساء.

الدَّيرُ ومُحِيطُهُ هُما في تَناغُمٍ كامِلٍ مَعَ مَوضُوعِ الفُسَيفَساء، فَكُلُّ شَيءٍ هُناكَ مُتَجَلٍّ، بِدءًا بِكَنيسَةِ[4] وَالِدَةِ الإلهِ المُشادَةِ في المَكانِ الذي كَلَّمَ الرَّبُّ فيه مُوسى في العُلّيقةِ المُشتَعِلةِ وغَيرِ المُحتَرِقَة (خروج ٢:٣).

هَذِهِ العُلَّيقَةُ مُرتَبِطَةٌ بِنُورِ التَّجَلّي الإلَهِيّ، وهِيَ تَرمُزُ إلى وَالِدَةِ الإلهِ الّتي حَمَلَتِ الرَّبَّ في أَحشائِها ولَم تَحتَرِق، وهُناكَ أَيقُونَةٌ خاصَّةٌ بِذَلِك. فَليسَ غَريبًا إذًا، أن تَكونَ فُسيفَسَاءُ التَّجلّي دَاخِلَ كَنِيسَةِ الدَّيرِ، وَالمُكَرَّسةُ أساسًا لِوَالِدَةِ الإلهِ، بِحَسَبِ ما أَوعَزَ الرُّهبانُ للإمبرَاطُور.

مَوقَعُ الدَّيرِ في أَسفَلِ الجَبَلِ الّذي تسَلّم فيهِ مُوسى الوَصايا، ويُطلَقُ على المَكانِ اسمُ "الجَبَلِ الّذي داسَهُ اللهُ".

كَذَلِكَ الدَّيرُ مُكَرَّسٌ للنَبيَّينِ مُوسى وإيليّا، اللَّذَين أَتَيا إلى جَبَلِ سِيناءَ، وظَهرَا في التَّجلّي يُكَلِّمانِ يَسوع.

يَضُمُّ الدَّيرُ حَوالي الـ٢٧٠٠ أَيقُونَة، يَتَراوَحُ تاريخُها بَينَ القَرنِ السَّادِسِ وَالقَرنِ التَّاسِعَ عَشَر، بِالإضَافَةِ إلى مَخطُوطاتٍ ذَاتِ قِيمَةٍ تَارِيخِيَّةٍ كبيرةِ، إذ يُعتَبَرُ الدَّيرُ المَكتَبَةَ الأَقدَمَ في العَالَمِ التي لَم يَتَوقّفِ العَمَلُ فيها أبدًا.

الدَّيرُ إذًا بِمَثابَةِ بُقعَةٍ نُورانِيَّةٍ رُوحِيَّةٍ وثَقافِيَّة، ولا يُمكِنُ لأيّ عاشِقٍ، ولأيّ بَاحِثٍ في الأيقُوناتِ إلّا أن يَرجِعَ إلَيهِ، ويُنعِشُ رُوحَهُ بِهذا الإرثِ الإيمانِيّ العَظِيم، بِخاصَّةٍ أنَّهُ يَحوي أَقدَمَ أَيقُونَةٍ لِلرَّبِّ يَسوعَ الضَّابِطِ الكُلَّ Pantocrator (ق٦)، والمَصنُوعَةِ مِن شَمعِ العَسَلِ مَعَ الألوانِ النَّباتِيَّة Encaustique.

عُرِفَ هذا الدَّيرُ بِاسمِ دَيرِ القِدّيسَةِ كاتِرينا، ابتداءً مِنَ القَرنَ الثَامِنِ/التَّاسِع، وذَلِكَ بَعدَ اكتِشافِ رُفاتِها في جَبلِ سينَاءَ، في مُحيطِ الدَّير ونقلت إليه. هَكذا كانَ نورُ الدَّيرِ يُشِعُّ كُلَّ يَومٍ غَربًا وَشَرقًا[5].

نَعُودُ الآنَ لِنَقِفَ مُجَدَّدًا أَمامَ الفُسَيفَساء. عندَ أوَّلِ نَظرَةٍ لها، يَجذِبُنا الرَّبُّ الوَاقِفُ في وَسَطَها قائلًا: لِنَرفَعْ قُلوبَنَا إلى فَوق. الرَّبُّ يَسوعُ بِاللّباسِ الأَبيضِ البَرّاقِ المَطَعَّمِ بِالذَّهَبِ، إشارَةً إلى المَجدِ الإلَهيّ، وَهُو يُبارِكُ بِيَدِهِ اليُمنى، وحرَكَةُ أَصابِعِهِ تُمَثِّلُ الحَرفَينِ الأَوَّلَين من اسمِهِ بِاليُونَانِيَّة IC XC. هَكَذا يُبارِكُ الكاهِنُ أَيضًا.

يُحيطُ بِرَسمِ الرَّبِّ شَكلٌ بَيضاويٌّ أَزرَقُ اللّونِ، يُساعِدُ في إظهَارِ بَريقِ يَسوعَ بِشَكلٍ أَقوى، مُقارَنَةً بالخَلفِيَّةِ الذَّهَبِيَّةِ الَتي وراءهُ. خلفَ رأس الرب هالةٌ ذَّهَبِيَّة.

يَتَدَرَّجُ اللونُ الأزرَقُ، مِنَ الفاتِحِ إلى الغامِق، وبِهذا يُرمَزُ إلى مَا يُعرَفُ بِجَوهَرِ اللهِ غَيرِ المُدرَك، الّذي كُلَّما اقتَرَبنا منهُ أَكثَرَ نتأكَّدُ أنَّنا لا نُدرِكُه. هذا ما جَعَلَ الكَنيسَةَ تَتكَلَّمُ على الرَّبِّ بِاللُّغَةِ التَنزيهِيَّةِ Apophatisme، أي أَنَّ يَسوعَ فَوقَ الرَّحمَةِ، ومَحبَّتُهُ لا مُتنَاهِية، لا يُمكِنُ حَصرُها أو وَصفُها.

نُلاحِظُ بِشَكلٍ جَليّ الأشِعَّةَ الصَّادِرَةَ مِنَ الرَّب. إنّه نور الرَّب غير المخلوق. هَذا هُوَ التَّجلّي: ظُهورُ طَبيعَةِ يَسوعَ الإلَهِيَّة[6].

عَن يَمينِ الرَّبِّ يَقِفُ إيليّا النَّبيّ، وعَن يَسارِهِ مُوسى النَّبيّ. كِلاهُما يُشيرُ إليهِ، ويُبارِكُ بِاسمِه.

إيليّا يَقولُ، هَذا هُوَ الّذي كُنتُ أَقولُ عَنهُ: "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ" (٢ ملوك ١٦:٥)، ومُوسى يَقُولُ، هَذا هُوَ "يهوه" أَي الكائَن، الّذي كَلَّمَني مِنَ العُلَّيقَةِ المُشتَعِلَةِ وَغيرِ المُحتَرِقَة. (خروج ٤:٣). فاسمُ يَسوعَ يَعني: "يهوه" يُخَلِّص. لِهذا نَجِدُ في الأيقُونَاتِ على الهالَةِ خَلفَ رَأسِ يَسوعَ، ثَلاثَةَ أَحرُفٍ يُونَانِيَّة OWN، وتَعني "يهوه".

إنَّ عَدَمَ وُجُودِ رَسمٍ لِجِبالٍ في هَذِه الفُسيفَساء، عَلى غِرارِ أَيقُونَاتِ التَّجلّي الأُخرى، سَبَبُه التَّركيزُ على حَدَثِ التَّجلّي وعُمقِهِ الإلَهِيّ دُونَ سِواه.

​​​​​​​ونَرى التَّلامِذَةَ الثَّلاثَةَ وأسماءَهم، مِن يَمينِ الفُسيفَساءِ إلى يَسارهاِ: يُوحَنَّا، بطرس، وَيعقُوب.
الكُلُّ يتَمَحوَرُ حَولَ يَسوعَ، النَّبيَّانِ وَالتَّلاميذُ يَنظُرُونَ إليهِ، كَيفَ لا وَهُوَ الإلَهُ المُتَجَسِّد!

مَشهَدُ التَّجلّي مُحَاطٌ مِنَ الأَعلى بِالرُّسُلِ، ومِنَ الأَسفَلِ بِالأَنبِياءِ، مَعَ تَصويرٍ لِراهِبَين مِنَ الدَّير.

كَذَلِكَ فوقَ الحِنيةِ مَشهدانِ مِنَ العهدِ القديم: موسى يَخلَعُ نَعليه أمامَ العُلّيقةِ المُشتَعِلة، وموسى يَتسَلَّمُ الوصايا مِنَ الرَّب. إذًا مع فُسيفَساء التَجلّيّ يَكتَمِلُ العَهدُ القديم بالعَهدِ الجديد. هذا ما جَعلَ صَانِعَ فُسيفَساءِ التّجلّي يُظهرُ موسى أكبرَ سِنًّا مِنَ المَشهدَين الآخرَين، إذ إنَّ هَدفَ مَسيرةِ حَياتِنا الالتقاءُ بالرَّب.

فَوقَ يَسوعَ مُباشَرَةً يُوجَدُ صَليب، وتَحتَهُ المَلِكُ دَاوُدَ والتَّاجُ على رأسِه، ويُشبِهُ بِلِباسِهِ الإمبرَاطُورَ الرُّوميَّ، إشارَةً إلى "جستنيان". الصَّليبُ والملكُ داودُ يُشِيرَانِ أَيضًا إلى طَبيعَتَي يَسوعَ الإلَهِيَّةِ وَالبَشَرِيَّة. فَهُوَ الإلَهُ المُخَلِّصُ الّذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وفَدانا عَلى الصَّليب، وهُوَ ابنُ دَاوُدَ بِالسُّلالَةِ البَشَرِيَّة تحقيقًا للنبوءات[7].

خُلاصَةً، حَدَثُ التَّجلّي هُوَ تَعزِيَةٌ كَبِيرَةٌ لِكُلٍّ مِنّا، ومَا جَولَتُنا السّينائِيَّةُ إلّا بَريقُ أَمَلٍ دائِم.

فكَما تُشِعُّ هَذِهِ الفُسيفَساءُ في دَيرٍ وَسطَ صَحراءَ قَاحِلَةٍ، هَكَذا يُشِعُّ نُورُ اللهِ في حَياتِنا في بَرِّيةِ هَذا العَالَمِ، مَهما عَظُمَتِ الصِّعابُ، وقَسَتِ الحَياة.

إلى الرَّبِّ نَطلُب.

[1]. متى ١:١٧-٩، مرقس ٢:٩-٩، لوقا ٢٨:٩-٣٦

[2]. مدوّن تحت الفسيفساء أنّها نتيجة هبات ماليّة تحت إشراف شخص يدعى ثيودور، وبالتالي هي ليست هِبّة مِن الامبراطور، والأرجح أن
يكون صانعها من أنطاكيا أو فلسطين.

[3]. كتاب صادر عن دار النشر EKDOTEKE ATHENON عام ١٩٩٠ بعنوان Treasures of the Monastery of St Catherine by Konstantinos Manafis, N. T

[4]. كانَتِ الإمبرَاطُورَةُ هِيلانَة (٢٧٢-٣٧٣م) قد أَمَرَتْ بِتَشييدِ كَنِيسَةٍ هُناكَ، وَأَعادَ "جوستنيان" بِناءَها، وأَرفَقَها بِكَنيسَةِ الدَّير.

[5]. قامَ راهِبٌ مِنَ الدَّيرِ يُدعى سِمعان، في القَرنِ الحَادِي عَشَر، مُلقَّبٌ بِصاحِبِ الأَلسِنَةِ الخَمسَةِ، لإتقانِهِ خَمسَ لُغات، قامَ بِتَعريفِ العالَمِ الغَربيّ بِالقِدّيسَةِ "كاترينا" بعد أن كتبَ سيرتها. حاليًّا، يدها محفوظة في الدير، ويتبارك منها المؤمنون، ويأخذون خاتمًا يُمسح عليها.

[6]. "وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ (هيئةُ الرَّب) قُدَّامَهُمْ (التَّلامِذَة الثَّلاثة)، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ." (متى ٢:١٧)

[7]. صموئيل الثاني ٧: ١٢-١٤ – ميخا ٢:٥ (داود هو من بيت لحم)