في العام 2016، نقل عن وزير الخارجية ​السعودية​ عادل الجبير، تعليقاً على توجه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري نحو دعم ترشيح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، تأكيده أن الرياض غير معنية بخطوات الحريري، قائلاً: "هو حر في خياراته، لكننا لن نكون معنيين أيضاً، حين ستقع المشاكل مع عون".

منذ ذلك الوقت، كان من الواضح أن الموقف السعودي من الأوضاع في الساحة ال​لبنان​ية لم يعد كما كان عليه قبل ذلك، بدليل مجموعة التوترات التي كانت قد شهدتها العلاقة بين الجانبين، وصولاً إلى إقصاء الحريري عن المشاركة في الإنتخابات النيابية الماضية، حيث كان رهان الرياض على أن تنتج نموذجاً جديداً من القيادات، لا سيما على الساحة السنية، لا يتبنى خيار المساومة مع "حزب الله" بشكل أساسي.
بعد الإنتخابات النيابية، اعتبر السفير السعودي ​وليد البخاري​ أن نتائجها "تؤكد حتمية تغليب منطق الدولة على عبثيّة فوائض الدويلة المعطلة للحياة السياسية والاستقرار في لبنان"، متحدثاً عن "سقوط كل رموز الغدر والخيانة وصناعة الموت والكراهية"، لكن من الناحية العملية لم تترجم نتائج هذه الإنتخابات في أيّ من الإستحقاقات اللاحقة، لا على مستوى تلك المتعلقة بالمجلس النيابي ولا على مستوى تلك المتعلقة بتسمية رئيس الحكومة المكلف.
إنطلاقاً من ذلك، تقرأ مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، الحراك السعودي المستجد في الأيام الماضية، حيث تشير إلى أن المطروح كان حراكاً ناعماً يصب في خانة منع المس بإتفاق الطائف، وهو ما كان قد عبر عنه البخاري، في خضم السجال الدستوري حول حق حكومة تصريف الأعمال بتسلم صلاحيات رئيس الجمهورية، عبر التأكيد أن "ميثاق الوفاق الوطني، والذي أقره اللبنانيون برعاية عربية ودولية، ليس وهماً ولا أحجية غامضة فهو مصاغ بلسان عربي فصيح".
من وجهة نظر هذه المصادر، لم يعد من الممكن اليوم الحديث عن حراك ناعم، حيث بات من الواضح أن الرياض تريد أن تكون شريكاً في الإستحقاقات المقبلة، لا سيما الإنتخابات الرئاسية، وهو ما تعمل عليه من خلال السعي إلى جمع القوى المعارضة، عبر الجولات التي يقوم بها السفير السعودي على الأفرقاء المعنيين، من أجل تحقيق هذا الهدف، تحت عنوان منع قوى الثامن من آذار من إيصال مرشحها إلى رئاسة الجمهورية، الأمر الذي قد يكون بات من المسلمات، في ظل الخلافات القائمة بين أفرقاء الفريق الواحد، لكن السؤال يبقى ماذا بعد ذلك.
بالنسبة إلى مصادر نيابية مطلعة، غالبية القوى تدرك اليوم صعوبة وصول مرشح محسوب على أي فريق، الأمر الذي دفع بالكثيرين، في الأيام الماضية، إلى تشجيع التوافق على شخصية تحظى برضى مختلف الأفرقاء، بسبب التوازنات القائمة على مستوى المجلس النيابي الحالي، لكنها تلفت إلى أن أي شخصية توافقية من الممكن أن يكون لهذا الفريق أو ذاك التأثير الأكبر من الآخرين عليها، وتضيف: "لذلك يسعى كل تكتل إلى أن يقدم هو تلك الشخصية، على أن يسعى إلى تسويقها مع باقي الأفرقاء".
وتلفت المصادر نفسها، عبر "النشرة"، إلى أنه حتى اليوم لا يمكن الحديث عن إقتراب موعد الحسم في الإستحقاق الرئاسي، بدليل المساعي القائمة لتشكيل حكومة جديدة تتولى إدارة البلاد في مرحلة الشغور، الأمر الذي يدفع الجميع للسعي إلى تجميع أوراق قوتهم قبل الوصول إلى لحظة التسوية، التي لا يمكن أن تأتي من دون غطاء إقليمي ودولي، وتشير إلى أنه في الوقت الذي تسعى فيه قوى الثامن من آذار و"التيار الوطني الحر" إلى التسلح بالحكومة الجديدة، في حال ولادتها، يبدو أن الفريق الآخر سيعتمد على نظرية التوافق على اسم يصنّف كـ"سيادي".
في المحصلة، تشدد هذه المصادر على أن الحسم في الإنتخابات الرئاسية لا يمكن أن يتم من دون تسوية كبرى، لا يبدو أن آوانها قد آن، قد تقلب كافة المعطيات الراهنة، لكن في المقابل هناك خطوط حمراء ترسيم في المرحلة الحالية، عنوانها الأساسي الفيتوات المتبادلة من قبل مختلف الأفرقاء، بهدف الوصول إلى الرئيس التوافقي، الذي بات الجميع يشجع عليه كخيار لكن أحداً لا يملك الإسم.