تعيشُ مصرُ اليومَ واحدةً من أكثرِ اللحظاتِ حساسيّةً في تاريخِها الحديثِ، إذ تتقاطعُ عليها الضغوطُ الخارجيّةُ معَ التحدّياتِ الداخليّةِ، لتبدو كأنَّها في قلبِ عاصفةٍ إقليميّةٍ كبرى، ويصفُ بعضُ المراقبينَ هذا الوضعَ بالقولِ: مصر تحتَ الطوقِ، في إشارةٍ إلى الحصارِ الجيوسياسيِّ والاقتصاديِّ الذي يضيّقُ على خياراتِها ويجعلُها أمامَ اختباراتٍ مصيريّةٍ بعدَ حربِ غزّةَ.
الضغوطُ الراهنةُ
أبرزُ ما يضغطُ على مصرَ اليومَ هو ملفُّ قطاعِ غزّةَ، فالقاهرةُ تتحمّلُ عبءَ معبرِ رفحَ وحدودِها الطويلةِ معَ القطاعِ، وسطَ مطالباتٍ إسرائيليّةٍ وأمريكيّةٍ بإجراءاتٍ أمنيةٍ مشدَّدةٍ، وفي المقابلِ غضب شعبيٍّ وعربيٍّ يرفضُ أيَّ محاولةِ تهجيرٍ للفلسطينيّينَ إلى سيناءَ، وقد زادَ التوتّرُ بعدما لوَّحَ رئيسُ الوزراءِ الإسرائيليُّ بنيامين نتنياهو بمراجعةِ صفقةِ الغازِ مع مصرَ، ما أضافَ ورقةَ ضغطٍ اقتصاديٍّ جديدةً.
كذلك، يفرضُ الوضعُ الاقتصاديُّ العالميُّ تحدّياتٍ إضافيّةً على القاهرةِ: من تقلّباتِ أسعارِ الطاقةِ، إلى تراجعِ عوائدِ قناةِ السويسِ بسببِ الازمات في البحرِ الأحمرِ، وصولاً إلى الضغوطِ الماليّةِ التي ترافقُ برامجَ الإصلاحِ معَ صندوقِ النقدِ الدوليِّ.
العبارةُ التي تتردّدُ في التحليلاتِ السياسيّةِ “مصرُ تحتَ الطوقِ” تعبّرُ عن حالِ التضييقِ الذي تواجهُهُ القاهرةُ، فهيَ من جهةٍ تحتَ طوقٍ جغرافيٍّ فغزّةُ المحتلة منَ الشرقِ و ليبيا غيرُ المستقرّةِ والمهيمن عليها منَ الغربِ، والسودانُ الممزَّقُ منَ الجنوبِ، ومن جهةٍ أخرى، تحتَ طوقٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ: التزاماتُ كامب ديفيد مع إسرائيلَ، والارتباطاتُ الماليّةُ بالغربِ، والانتقاداتُ الشعبيّةُ العربيّةُ المتزايدةُ.
هنا يُطرحُ سؤالُ ماذا بعدَ غزّةَ؟ يَطرح السؤال نفسهُ بقوّةٍ في دوائرِ صنعِ القرارِ المصريّةِ، فالقاهرةُ تبدو أمامَ ثلاثةِ مساراتٍ محتملةٍ:
1- المسارُ الدبلوماسيُّ: تكثيفُ جهودِ الوساطةِ والتأكيدُ على دورِ مصرَ كجسرٍ إجباريٍّ لأيِّ حلٍّ إقليميٍّ، هذا المسارُ يمنحُ القاهرةَ شرعيّةً إقليميّةً ويُبقيها في قلبِ المشهدِ.
2- المسارُ الاقتصاديُّ: مواجهةُ آثارِ الحربِ على السياحةِ والاستثمارِ وقناةِ السويسِ، معَ الاعتمادِ على الدعمِ الخليجيِّ والشراكاتِ الدوليّةِ. وقد توقّعَ صندوقُ النقدِ نموّاً تدريجيّاً يصلُ إلى ٤٪ في ٢٠٢٥ إذا نجحت الإصلاحاتُ في مصر.
3- المسارُ الأمنيُّ: تعزيزُ الوجودِ العسكريِّ في سيناءَ لمنعِ أيِّ اختراقٍ أو تهديدٍ إسرائيليٍّ مباشرٍ، وهو ما يثيرُ أسئلةً حولَ مستقبلِ الترتيباتِ الأمنيّةِ في كامب ديفيد.
في وقت يمرُّ فيه الإقتصادُ المصريُّ بمرحلةٍ شديدةِ الحساسيّةِ، فمن ناحيةٍ هناكَ إشاراتٌ إيجابيّةٌ معَ الاتفاقاتِ الاستثماريّةِ الكبرى، مثلَ الشراكةِ معَ الإماراتِ وصفقاتِ الطاقةِ الجديدةِ، ومن ناحيةٍ أخرى، هناكَ تحدّياتٌ ضخمةٌ كالعجزٌ في الموازنةِ وتضخّمٌ مرتفعٌ وأعباءُ ديونٍ متزايدةٌ، وقد أشارتْ تقديراتٌ دوليّةٌ إلى أنَّ خسائرَ مصرَ من أي حربِ قد تصلُ إلى أكثرَ من عشرةِ ملياراتِ دولارٍ إذا اتّسعَ نطاقُها، لذا فإنَّ القاهرةَ مضطرّةٌ للتوازنِ بينَ الإصلاحاتِ الاقتصاديّةِ الصارمةِ وحمايةِ الفئاتِ الأكثرِ هشاشةً.
أمَّا على المستوى السياسيِّ، لا يبدو أنَّ النظامَ المصريَّ يعتزمُ تغييرَ معادلتِه الداخليّةِ القائمةِ على الاستقرارِ مقابلَ الإصلاحِ السياسيّ، فالأولويةُ تبقى لتأمينِ السلطةِ، ومنعِ أيِّ احتجاجاتٍ واسعةٍ، خصوصاً في ظلِّ ارتفاعِ الأسعارِ والأزماتِ المعيشيّةِ، لكنَّ الضغوطَ الشعبيّةَ حولَ قضيّةِ غزّةَ تُحرجُ الحكومةَ وتدفعُها إلى إظهارِ قدرٍ أكبرَ من التشدّدِ في خطابِها الخارجيِّ تجاهَ إسرائيلَ، ولو ضمنَ حدودٍ مدروسةٍ.
مصرُ لا تبدو في واردِ الدخولِ في مواجهةٍ عسكريّةٍ مباشرةٍ معَ إسرائيلَ.، لكنّها في المقابلِ لا تستطيعُ أن تبدو متساهلةً حيالَ تهديداتِ التهجيرِ أو المساسِ بالسيادةِ على سيناءَ، لذلكَ تواصلُ القاهرةُ بناءَ استراتيجيّةٍ مزدوجةٍ هي التمسّكُ بالوساطةِ والديبلوماسيّةِ من جهةٍ، وتعزيزُ الاستعداداتِ العسكريّةِ من جهةٍ أخرى، كرسالةِ ردعٍ وإثباتِ جاهزيّةٍ.
لذلك، و رغمَ كلِّ التوتّراتِ، لا يبدو أنَّ القاهرةَ في صددِ إلغاءِ اتفاقيّةِ كامب ديفيد، فالاتفاقُ ما زالَ يشكّلُ الإطارَ القانونيَّ والسياسيَّ الذي ينظّمُ العلاقةَ معَ إسرائيلَ ويمنحُ مصرَ دعماً غربيّاً. لكنَّ المستجدَّاتِ الأخيرةَ فتحتْ نقاشاً حولَ ملاحقِها الأمنيّةِ، إذ ترى القاهرةُ أنَّ تعزيزَ وجودِها العسكريِّ في سيناءَ ضرورةٌ دفاعيّةٌ مشروعةٌ في ظلِّ تهديداتِ التوغّلِ الإسرائيليِّ، من هنا، قد يكونُ المستقبلُ أقربَ إلى تعديلٍ مرِنٍ في بعضِ البنودِ، لا إلى إلغاءٍ كاملٍ للاتفاقيّةِ.
إنَّ مصرَ اليومَ أمامَ امتحانٍ تاريخيٍّ، فهيَ مطالبةٌ بأن تُثبتَ أنَّها ليستْ فقط وسيطاً بينَ المتحاربينَ، بل دولةً قادرةً على حمايةِ أمنِها القوميِّ وصونِ مصالحِها الاستراتيجيّةِ، الضغطُ عليها كبيرٌ، والخياراتُ محدودةٌ، لكنَّ التاريخَ أثبتَ أنَّ القاهرةَ تملكُ القدرةَ على المناورةِ والبقاءِ في قلبِ المعادلةِ، مهما اشتدَّتْ العواصفُ.





















































