صعبة هي المسيحيَّة، وقد يبدو إيمانها لبعض الناس ومفهومها من ضرب الخيال وغير واقعيّ. هي وحدها تقول بأنَّ الربَّ الخالق القدير أصبح إنسانًا، كما تأتي الآية في إنجيل يوحنَّا: «الكلمة صار جسدًا» (يوحنَّا 1: 14)، والأصحُّ والأدقُّ في النصِّ الأصليِّ اليونانيِّ «الكلمة صار لحمًا sarks»، مع كامل التأكيد أنَّ المتجسِّد هو الربُّ الخالق وأنَّه بقي على جوهره الإلهيِّ، أي بقي إلهًا. هذا يعني أنَّ الربَّ يسوع المسيح هو إله كامل وإنسان كامل. وأكثر من ذلك هو له الجوهر الإلهيُّ نفسه مع الآب والروح القدس، وثلاثتهم إله واحد، فهو الأقنوم الثاني. ويسوع هو المولود من الآب السماويِّ قبل كلِّ الدهور، والروح القدس منبثق أيضًا من الآب. والولادة والانبثاق تمَّا خارج الزمن، أي لم يكن هناك من زمن كان فيه أحدهم موجودًا دون الآخر. فرادة مسيحيَّة ليس لها مثيل تُخرج المسيحيَّة من منظومة الأديان وتجعلها المشروع الإلهيَّ الخلاصيَّ للإنسان. فليس من شرائع تحدِّدها، ولا قوانين ولا مفردات بشريَّة محدودة، بل محبَّة إلهيَّة صرف، تتخطَّى المنطق البشريَّ المخلوق. وبالتالي مستحيل أن يدرك الإنسان عمق التدبير الإلهيِّ خارج الروح القدس.
فالمسيحيَّة إذًا ليست مجموعة آراء شخصيَّة ولا سفسطات كلاميَّة بل هي تجسُّد الكلمة الإلهيَّة في الإنسان ليقتبل الإلهيَّات كما قال القدِّيس أثناسيوس الكبير، وهي سكنى متبادلة بين الربِّ والإنسان. الربُّ يسكن في الإنسان لأنَّ ملكوت الله داخلنا والإنسان يتَّحد بالربِّ ويفرغ ذاته من كلِّ ما هو ترابيٌّ فانٍ ليمتلئ من الروح القدس. هذا هو هدف مشروع الخالق منذ اللحظة الأولى الَّتي خلقَنا فيها على صورته، وهذا ما يجب أن نصبو إليه في الفترة الزمنيَّة الَّتي نعيشها على الأرض.
ترجمة العيش مع المسيح وفي المسيح تجعل الإنسان خليقة جديدة. خليقة تمرُّ بالموت عن الذات، وهذا هو الصليب، ثمَّ الانتقال إلى الحياة الأبديَّة وهذه هي القيامة. وقد أوصانا الربُّ من خلال تلاميذه الأطهار بأن نكرز بإنجيله وكلامه في المسكونة جمعاء. الكرازة ليست بالأمر السهل إطلاقًا، فهي تتطلَّب أوَّلًا أن يكون الكارز أصبح إنجيلًا حيًّا يرى في الآخرين وجه المسيح. وتعليم الكارز ليس من عنده بل بما أوصى الربُّ فيه، وهذا الأمر يعني فهمًا وتعليمًا. لهذا كانت المجامع المسكونيَّة الَّتي انعقدت الواحدة تلو الأخرى لدحض كلِّ تشويش وانحراف وشطط وهرطقة وتبيان للإيمان المستقيم المسلَّم من الربِّ مباشرة. شهادة كبيرة واستشهاد قدَّمها القدِّيسون والقدِّيسات، من شهادة حمراء بالدم، وشهادة بيضاء بالعيش والزهد.
الآباء القدِّيسون الَّذين اجتمعوا في المجامع لم يأتوا بتعاليم جديدة خارجة عن الإيمان الحقيقيّ، ولم يضيفوا شيئًا ولم يحذفوا شيئًا، بل أعلنوا ما كانوا يعيشونه بالصلاة والتواضع والتوبة، وحافظوا على الوديعة الإلهيَّة كما هي، وهي تُسلَّم من جيل إلى جيل بالروح القدس، ابتداءً من المجمع الأوَّل النيقاويِّ (325م) الَّذي رُتِّبَ فيه القسم الأوَّل من دستور الإيمان، والَّذي يعلن أنَّ الابن هو «إله حقٌّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الجوهر» أي Homoousios – جوهر واحد، إلى المجمع الثاني القسطنطينيِّ (381م) حيث اكتمل فيه دستور الإيمان مؤكِّدًا ألوهيَّة الروح القدس وانبثاقه من الآب كما قال يسوع للتلاميذ: «ومتى جاء المعزِّي الَّذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحقِّ، الَّذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي» (يوحنَّا 15: 26)، ودستور الإيمان يلخِّص الإيمان المسيحيَّ بالكامل، إلى المجمع الثالث في أفسس (431م) الَّذي أكَّد أنَّ الَّذي ولد من العذراء مريم هو إله تامٌّ وإنسان تامٌّ في شخص واحد، وبالتالي مريم العذراء هي والدة الإله، إلى المجمع الرابع في خلقيدونية (451م) الَّذي قطع باستقامة كلمة حقِّ عدم اختلاط طبيعتي المسيح الكاملتين، الإلهيَّة والبشريَّة، وهما متَّحدتان في شخص واحد بغير امتزاج ولا تغيير، إلى الخامس في القسطنطينيَّة (553م) الَّذي أكَّد مقرَّرات المجمع الخلقيدونيّ ووحدة شخص المسيح، إلى السادس أيضًا في القسطنطينيَّة (680-681م) الَّذي دحض المشيئة الواحدة في المسيح (Monothélitisme)، أي أنَّ المشيئة البشريَّة في المسيح ذابت لصالح المشيئة الإلهيَّة، وأكَّد أنَّ للمسيح مشيئتين كاملتين إلهيَّة وبشريَّة دون أن تلغي واحدة الأخرى، دون انفصال أو تضادّ، إلى المجمع المسكونيِّ السابع في نيقية (787م) الَّذي أعلن تكريم الأيقونات في وجه الحرب على الأيقونات (Iconoclasme وتعني كسر الأيقونة) وأوضح أنَّنا نكرم الأيقونات لما تمثِّلُه ولا نعبدها.
الكنيسة تقيم كلَّ عام تذكار أحد آباء المجمع المسكونيِّ السابع في الأحد الأقرب إلى يوم 11 تشرين الأوَّل يوم اختتام المجمع الَّذي بدأ في أوَّل أيلول، وعادة يكون بين 11 و17 تشرين الأوَّل. تقيم تذكارهم لأهمِّيَّة ما أعلنوه بأنَّ الربَّ الخالق لكونه تجسَّد يُصَوَّر.
إذًا كتابة الأيقونات أو تصويرها يجب أن تنطلق من عمق لاهوتيٍّ كبير تجمع بين الروحانيَّة والجمال والتقنيَّة، وتتناسب مع العقيدة والإيمان، ولا تكون ولادة تخيُّلات وبدع، لأنَّ الأيقونة هي نافذة إلى الملكوت.
وتبقى الأيقونة الأولى هي الربّ الَّذي خلقنا عليه لنشابهه ونرتفع بواسطته بإنسانيَّتنا إلى التألُّه.
إلى الربِّ نطلب.





















































