حين نفذت عملية "طوفان الاقصى" منذ سنتين تقريباً، توجهت الانظار الى فلسطين وغزة، وبعد بداية الحرب الاسرائيلية على غزة والمجازر التي ارتكبت هناك واستمرت على مدى اكثر من 700 يوم، كان لبنان والعالم يتضامن مع الغزاويين، ولكن الثمن الاكبر دفعه لبنان مع دخول حزب الله "حرب الاسناد" وحصول اسرائيل على الضوء الاخضر لاستعمال كل طاقاتها العسكرية والتي تم تجديدها وتحديثها وتعزيزها من قبل الولايات المتحدة الاميركية والغرب.
اليوم، عادت الانظار الى غزة ولبنان، ولكن معكوسة، فالعالم يترقب الاعلان الرسمي عن اعلان انتهاء الحرب في القطاع لامد طويل (وليس فقط لفترة موقتة)، فيما تستمر اداة الاجرام الاسرائيلي في القيام بما تشاء، وفق رخصة القتل التي اعطيت لها من قبل الجميع، ومن دون حسب اورقيب اومن يعمل على الضغط عليها للكف عن مثل هذه الممارسات العدوانية. فلماذا فشل اتفاق وقف الاعمال العدائية في لبنان على رغم مرور اكثر من سنة على الاعلان عنه، ونجح اتفاق غزة حتى قبل الاعلان عنه رسمياً؟ لمعرفة الجواب، لا بد من البحث عن الاميركيين واسبابهم ورغبتهم وسياساتهم واولوياتهم... لا يخفى على احد ان الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب يمقت كل ما قام به سلفه جو بايدن، من اصغر الامور الى اكبرها، وهو لا حرج لديه من الاعلان عن ذلك بشكل علني. وعلى الرغم من قوله انه مهتم بانهاء الحروب والمواجهات العسكرية، لم يجد ترامب ان الاعتداءات الاسرائيلية اليومية على لبنان يجب ان تنتهي، فهو لم يكن راعياً لاتفاق وقف الاعمال العدائيّة الذي تحقق العام 2024، ولا يهمه ما يحصل كونه لن يؤثر على مجرى الاحداث في المنطقة. ففي لبنان، لم يعد هناك من يهدد اسرائيل عسكرياً، حتى حزب الله نفسه اعترف على لسان امينه العام نعيم قاسم بتفوق اسرائيل عليه بعد ان كان يعتمد على فرضية توازن الردع والرعب، وطالما ان اسرائيل في امان من الصواريخ والاستهداف من لبنان، فلا يهم ما يجري للبنانيين وبالاخص ان الادارة الاميركية الحالية ليست من صاغ الاتفاق ورعاه، بل الادارة السابقة، وهذا ما يفسر ما كان قاله مبعوث ترامب السفير توماس براك من ان الاتفاق غامض ولا يعترف به الطرفان وهناك صعوبة في تطبيقه... وما الى ذلك من تبريرات غير منطقية وغير سليمة، تظهر تنصّل الادارة الاميركية الحالية منه، وعدم رغبتها بالتالي في الضغط على اسرائيل لتطبيقه او على الاقل للتخفيف من رعونتها واجرامها اليومي.
وضع ترامب نصب عينيه الحصول على "نوبل السلام" ولكنه لم يصب، فاكتفى بانتقاد الجائزة وطريقة منحها، وتفرّغ للحديث عن انجازه في انهاء هذه الحرب التي اعتبرها بمثابة انتهاء للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي.
هذا الامر ان دل على شيء، فعلى نية مبيّتة لدى الرئيس الاميركي للقول انه اذا اراد احد انجاز شيء ما، فعليه المرور به والا فلن يستفيد شيئاً، وبالتالي فإن الرسالة الموجهة الى لبنان هي التالية: يجب ان يكون هناك اتفاق جديد انما برعاية ترامب وادارته، ليأخذ في الاعتبار ان تل ابيب هي التي انتصرت في الحرب، ويجب مراعاة هذا الامر، والتخلي عن عدد من الامور التي اعتاد لبنان الحصول عليها، والا فسيبقى الوضع الراهن على حاله، وستبقى اسرائيل "تحتل" لبنان من دون التواجد على ارضه عسكرياً (ما خلا بعض النقاط لاثبات وجودها وهو امر بعيد عن المفهوم العام للاحتلال كما كان في الجنوب قديماً قبل العام 2000)، وليستمر اختبار تحمّل اللبنانيين الصعوبات والمشاكل والضيقات، الى ان يروا انفسهم وحيدين في الميدان بعد ان تخلى عنهم الجميع، فيذعنون ويذهبون الى الخيار السيء معتقدين انهم بذلك يتجنبون الاسوأ.
لا احد يحسد غزة واهلها على ما اصابهم، فالمجازر التي ارتكبت هناك كانت بمثابة إبادة جماعية، ولكن النهاية باتت على الابواب، فيما لا يزال النفق القاتم طويلاً بالنسبة الى اللبنانيين، في انتظار مزاج ترامب، ورغبته في حلّ القضية اللبنانية، وعندها يتم استنفار الدول العربيّة والاجنبيّة على حد سواء، لوضع نهاية لهذه الماساة، والى ذلك الحين، ماعلينا سوى... الترقب.





















































