كثيرًا ما نتكلَّم في لغتنا اللاهوتيَّة والإيمانيَّة عن «البرَكة» قاصدين فيها النعمة الإلهيَّة والخير والازدهار والعطاء. كذلك يستعملها الرهبان عندما يطلبون السماح لأمر ما من رئيس الدير، والكهنة من الأسقف، والشعب من الكهنة، وكذلك الأبناء الروحيُّون من أبيهم الروحيِّ، بمعنى طلب النعمة المرافِقة للأمر الَّذي يريدون فعله وإتمامه. فهي ليست خضوعًا سلبيًّا بل طلب أن يكون العمل مثمرًا وجيِّدًا ومفيدًا. ولغويًّا هي الامتداد والزيادة والفيض.
كما نجد «البرَكة» في آيات كثيرة في الكتاب المقدَّس ابتداءً من الصفحة الأولى منه، وذلك عندما خلق الله الإنسان ذكرًا وأنثى: «وباركهم الله وقال لهم: "أَثمِرُوا واكثُروا واملأوا الأرض"». (تكوين 2: 28).
إذا بحثنا في أصل كلمة «بركة» في اللغة العبريَّة البيبليَّة لوجدنا أنَّ الكلمة تُشتقُّ من الجذر الَّذي يحمل معنى الانحناء، ومنها جاءت فكرة «البركة» كفيض من الخير يمنحه الله. كما أنَّ المعنى يحمل أيضًا «الركوع». ولغويًّا الكلمة العبريَّة للركبة مشتقَّة من الجذر نفسه. الانحناء هنا والركوع لا يوجد فيهما دلالات سلبيَّة بل، على العكس تمامًا، تعبير كبير وعميق عن المحبَّة والعطف والاهتمام، أي التوجُّه بالتقدير أو الدعاء، فهناك قيمة.
ونلاحظ في استعمالنا لكلمة «البركة» أنَّ هناك اتِّجاهَين رئيسَين:
الاتِّجاه الأوَّل هو من ناحيتنا نحن تجاه الله عندما نصلِّي للَّه أو نَصِفُه. مثلًا: «مبارك أنت يا ربُّ» بمعنى أنَّه هو الكامل والمعظَّم والمُقدَّس على الدوام ومصدر كلِّ خير وبركة ورحمة ومحبَّة بلا حدود، ومجده عظيم لا مثيل له. حتَّى أكثر من كلِّ ما ذكر، أي هو أكثر من مُحِبٍّ، لدرجة أنَّه لا يمكن وصفه L’apophatisme . وحتَّى عندما نقول: «نمجِّدك ونعظِّمك» نعني أنَّنا نعترف بمجده وعظمته.
الاتِّجاه الثاني عندما نطلب من الله أن يحلَّ بركته علينا أو على القدسات في القدَّاس الإلهيِّ، أو على شخص ما، أو على مجموعة أشخاص، أو يبارك المكان أو العمل أو الطعام وأشياء أخرى غيرها. طلبنا هذا يعبِّر عن رغبتنا في أن يكون هو مرافقًا لنا ولكلِّ ما نقوم به. بالمختصر هو طلب الاتِّحاد بالله.
كذلك الله يبارك الإنسان من فيض محبته. فنلاحظ مثلًا دعوة الله لأبرام: «وقال الربُّ لأبرام: "اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض الَّتي أُريك، فأجعلك أمَّة عظيمة وأباركك وأعظِّم اسمك، وتكون برَكة. وأبارك مُبارِكيك، ولاعِنَكَ أَلْعَنُه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض"» (تكوين 12: 1-3).
وفي المبدأ ذاته، يجعل الله الإنسان يبارك الآخرين باسمه إذا كان الإنسان فعلًا رجل الله، مثالًا على ذلك: عندما بارك ملكيصادق أبرام قائلًا له: «مباركٌ أبرام من الله العليِّ ملك السماوات والأرض» (تكوين 14: 19).
بما أنَّنا نحن في زمن الميلاد المجيد، لا بدَّ من التوقُّف أمام نبوءة ميلاديَّة مملوءة بالبركات، وهي نبوءة بلعام عندما استدعاه بالاق ملك موآب ليلعن بني إسرائيل أثناء تقدُّمهم نحو أرض الموعد الَّتي كانت رمزًا لأورشليم السماويَّة كما نرتِّل في الليتورجيَّة. ولكنْ بدلًا من أن يلعن، امتلأ بلعام من روح الله ونطق بركات ونبوءات، فقال: «جثَمَ كأسد. رَبضَ كلَبْوَةٍ. مَن يُقيمُه؟ مُبارِكُك مُبارَك، ولاعِنُك ملعون» (العدد 24: 9). وهي نفسها نبوءة يعقوب عن المسيح: «يهوذا جَرْوُ أسد، من فريسة صعدتَ يا ابني، جثا وربض كأسد وكلبوة. مَن يُنهضه؟» (تكوين 49: 9). وأكمل: «أراه ولكن ليس الآن. أُبصرُه ولكن ليس قريبًا. يَبرز (يظهر – يلمع) كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل... ويتسلَّط الَّذي من يعقوب» (العدد 24: 17-19).
فالكوكب هو رمز لظهور ملك موعود. هذا يذكِّرنا بمجيء المجوس من الشرق عندما ولد يسوع في اليهوديَّة، وبسؤالهم لبيلاطس: «أين هو المولود ملك اليهود؟ فإنَّنا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له» (متَّى 2: 2). والقضيب يشير إلى السلطان كما تنبَّأ إشعياء عن مجيء المسيح: «لأنَّه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيبًا، مشيرًا، إلهًا قديرًا، أبًا أبديًّا، رئيس السلام» (إشعياء 9: 6). فيسوع هو الملك الَّذي أتى من نسل داود. وداود من نسل يعقوب. هذا كلُّه تحقيق للوعد الَّذي أعطاه الله منذ سقوط الإنسان: «وأضع عداوة بينكِ (الحيَّة) وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسكِ، وأنت تسحقين عَقِبَهُ» (تكوين 3: 15). والنسل هو يسوع: «وأمَّا المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول: «وفي الأنسال» كأنَّه عن كثيرين، بل كأنَّه عن واحد: «وفي نَسْلِكَ» الَّذي هو المسيح» (غلاطية 3: 16).
ومهمٌّ جدًّا أن نعرف أنَّ المسيح جاء لكلِّ الأمم لا لشعب واحد، فبلعام لم يكن يهوديًّا بل من بلاد ما بين النهرين، من منطقة فَتور الَّتي على الفرات (عدد 22: 5)، أي على الأغلب قرب سوريا – العراق، وهو آراميُّ الجنسيَّة.
وفي سنة 1967م، اكتُشفت مخطوطة قديمة في الأردنِّ (في دير علا) تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد محفوظة بشكل جيد. الخط الكتابي فيها كناية عن أبجدية ساميّة كانت تستعمل في المنطقة ومحيطها. واللغة المستخدمة آرامية أو لهجة قريبة من الكنعانية/المؤابية. في المخطوطة ذكر صريح لشخص يدعى بلعام بن بعور، وبصورة متطابقة مع النصِّ الكتابيِّ، وبحسب البحث التاريخيِّ يكون بلعام في حوالي القرن الخامس عشر – الثالث عشر قبل الميلاد.
في الختام ليس أجمل من بركة الربِّ في الميلاد المجيد، فهو انحنى إلينا وظهر بالجسد بتواضع لا مثيل له، وولد في مذود ليعلِّمنا معنى المحبَّة ويتمِّم التدبير الخلاصيَّ للإنسان. هنا تمامًا يكمن المعنى العميق والجميل للكلمة «بركة»، فالمسيح هو المخلِّص الفادي، لهذا نرتِّل: «اليوم يولد من البتول» على لحن «اليوم علِّق على خشبة» نفسه.
إلى الربِّ نطلب.






















































