خلال الحرب الأميركية–الإسرائيلية الحالية على إيران، وجّهت هذه الأخيرة العدد الأكبر من صواريخها ومن مُحلّقاتها المتفجّرة إلى دول الخليج، وليس إلى إسرائيل أو السفن الأميركية المنتشرة في المنطقة! وفي المقابل، قيل الكثير عن مطالب خليجية غير مُعلنة بضرورة أن تواصل الإدارة الأميركية هجماتها على إيران إلى حين إسقاط النظام أو جعله عاجزًا كليًا. وفي الأيّام القليلة الماضية، تصاعدت التصاريح العربية والخليجية العلنية التي تُهاجم إيران ردًّا على تصعيد هذه الأخيرة هجماتها ضدّ المصالح الاقتصادية في الخليج. وقيل الكثير عن مطلب أميركي غير مُعلن بضرورة انضمام الدول الخليجية إلى الحرب الحالية ضُد إيران. فهل يُمكن أنّ ينفجر التاريخ المليء بالصراعات بين إيران والعرب، مواجهة مُباشرة جديدة؟
بداية لا بُد من التذكير أنّ جذور الصراع بين إيران والدول العربية تعود إلى الحروب والعداء بين الفرس والعرب على امتداد مئات السنوات! وفي التاريخ الحديث، تعود خلفيّات الصراع بين إيران والدول العربية والخليجية بالتحديد، إلى حرب العرب بالوكالة مع إيران، عبر توفير كل الدعم للعراق في أيّام حُكم الرئيس الراحل صدام حسين خلال قتاله ضد الإيرانيّين، وهي حرب انطلقت في صيف العام 1980، بُعيد فترة وجيزة من "الثورة الإسلامية" في إيران، واستمرّت حتى صيف العام 1988، مُوقعة مئات آلاف القتلى من الفريقين. وفي الماضي القريب، تُرجمت المواجهات بالوكالة بين إيران والدول الخليجية مرّة جديدة، على الأرض السورية حيث دعمت إيران بكل ثقلها نظام الرئيس السوري بشار الأسد المخلوع، ولا سيّما عبر تحشيد جماعات مقاتلة لصالح النظام، في حين دعمت الدول الخليجية المعارضات السورية على أنواعها بالمال والسلاح.
واليوم، ومع احتدام المواجهة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران والجماعات المُسلّحة الموالية لها من جهة أخرى، لم تتردّد إيران في توجيه الضربات إلى الدول الخليجية والأردن، بحجّة أنّ هذه الدول تحتضن قواعد عسكرية أميركيّة، في حين قيل الكثير أنّ هذه الدول التي أدانت في العلن الاعتداءات الإيرانية، والتي احتفظت بحقّ الردّ، دخلت على خط المواجهة عبر مطالبة الإدارة الأميركية بعدم ترك النظام الإيراني على حاله من قوّة، وضرورة إنهاكه تمامًا قبل أي وقف للضربات، ناهيك عن كونها تقوم بتحمّل كل تكاليف الصواريخ الاعتراضية وأقساط مهمّة من تكاليف الحرب القائمة. ومع تعاظم الهجمات الإيرانية، تزايدت الدعوات المُطالبة بضرورة انخراط الدول الخليجية في الحرب بشكل مباشر، والدفاع عن أراضيها ضد الضربات الإيرانية اليومية، خاصة وأنّ هذه الدول تملك أسرابًا تضمّ مئات الطائرات الهجومية المتطوّرة والتي يُمكن أن تُعزّز القوّة النارية التي تستهدف المواقع الإيرانية حاليًا.
لكن وبحسب المعلومات المتوفّرة، فإنّ هذا الأمر مُستبعد-أقلّه حتى تاريخه، والأسباب مُتعدّدة، وأبرزها أنّ الدول الخليجية اعتمدت في المرحلة الأخيرة نهجًا إنمائيًا شاملًا، حيث أنّها وظّفت ولا تزال توظّف عشرات مليارات الدولارات لتطوير دولها ومؤسّساتها، وللاستثمار في مشروعات كفيلة بالارتقاء بمعيشة مواطنيها وتحسين جودة ورفاهية حياتهم، بعكس إيران التي وظّفت القسم الأكبر من عائداتها النفطية في تطوير ترسانة مُسلّحة هجومية من صواريخ باليستية ومُحلّقات انقضاضية، وفي تمويل جماعات مُسلّحة في العديد من الدول تتماهى مع سياساتها العقائدية والدينية والسياسية. وبالتالي، إنّ أيّ مواجهة مباشرة اليوم بين الدول الخليجية وإيران، ستصبّ في صالح هذه الأخيرة، باعتبار أنّ إيران دُمّرت بشكل كبير، وأي تدمير إضافي لأي موقع هنا أو هناك، لن يُغيّر شيئًا بالمشهد العام، بينما أيّ تدمير للمشروعات الإستثمارية في الدول الخليجية يعني إرجاعها عُقودًا إلى الوراء، والتسبّب بهروب الشركات الأجنبيّة العاملة فيها، وتضعضعها اقتصاديًا.
وفي ظلّ هذا الواقع، من المُستبعد جدًا لجوء الدول الخليجية إلى الردّ بشكل مباشر على اعتداءات إيران على أراضيها، لكنّ هذا الأمر لا يعني أنّها تقف على الحياد في الصراع الدائر حاليًا، وهي تأمل ألا تتوقّف هذه الحرب من دون انتزاع ضمانات حاسمة من النظام الإيراني بعدم التعرّض مُجدّدًا لأي منها. ومن المُرتقب أنّ تندفع الدول الخليجية في مرحلة ما بعد الحرب إلى عقد شراكات دفاعية أكثر عمقًا مع الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الغربية، لتأمين أمنها، وحماية حدودها، إضافة إلى تَوقُّع عَقد صفقات شراء أسلحة دفاعية وهجومية بمليارات الدولارات أيضًا. وخلال الأيّام القليلة الماضية، وقّعت بعض الدول الخليجية وأوكرانيا اتفاقات قضَت بشراء الدول الخليجية نظامًا مُضادًا للمحلّقات الانقضاضية طوّرته كييف خلال حربها المُتواصلة مع روسيا. كما تعتزم الدول الخليجية اعتماد سياسة أكثر تشدّدًا ضُد إيران وأذرعها في المُستقبل، بحيث لن تتساهل بعد اليوم في التعاطي مع أي ملفّ يرتبط بشكل أو بآخر بإيران، انطلاقًا من مبدأ انتقامي هادئ–إذا جاز التعبير.
في الخلاصة، صحيح أنّ العلاقة بين إيران والدول العربية والخليجيّة بالتحديد لم تكن يومًا جيّدة، لكنّ الأصحّ ٍأنّ هذه العلاقة صارت اليوم سيئة جدًا، والاحتقان بين الجانبين كبير جدًا، وهو ما سيُترجم مناوشات غير مباشرة في أكثر من ساحة، وفي أكثر من ظرف، ولبنان لن يكون مُستثنى عن ارتدادات هذا التوجّه.





















































