على وحشيتها، لم تكن جريمة قتل الصحافي ​علي شعيب​ من قناة "المنار"، والصحافية ​فاطمة فتوني​ والمصوّر ​محمد فتوني​ من قناة "الميادين"، في ضربة ​إسرائيل​ية استهدفت سيارة صحافية واضحة العلامات في ​جنوب لبنان​، الأولى من نوعها. فسجلّ إسرائيل حافل بقتل الصحافيين، سواء في فلسطين، حيث تحوّل مراسلو قناة "الجزيرة" مثلًا إلى "شهداء أحياء"، أو في لبنان، حيث قضى العديد من الصحافيين في محطات مختلفة.

مع ذلك، ثمّة جديد صادم في الجريمة الإسرائيلية المستجدة، يجعلها مختلفة عن سابقاتها، من حيث السياق على الأقل. فالجريمة، على فظاعتها، تكاد تكون مألوفة في حروب تل أبيب المتكررة، غير أن الأخطر منها كان ما تلاها، مع الانتقال من القتل إلى الإعلان عنه، ومن الفعل إلى تبريره سياسيًا وإعلاميًا، ليتحوّل قتل الصحافيين، بالنتيجة، إلى مؤشر على تحوّل نوعي وعميق في منطق الحرب، والمقاربة الإسرائيلية لها على وجه التحديد.

فحين يصدر إعلان صريح عن القيادة العسكرية الإسرائيلية باستهداف صحافي بالاسم، مع اتهامه بالانتماء العسكري من دون مواربة، ومن دون تقديم أي دليل، لا يعود الأمر مجرد "تجاوز ميداني" أو "خطأ في بنك الأهداف"، بل لعلّه توسيع لهذا البنك ليشمل "الشهود". وهو ما يعزّزه أيضًا الاستهداف الممنهج للمسعفين، في ضوء الهجمات المتواصلة على دور الرعاية الصحية في جنوب لبنان، وهو ما توثّقه ​منظمة الصحة العالمية​.

قد يكون السؤال عن الأسباب التي تدفع إسرائيل إلى قتل هؤلاء ساذجًا وسطحيًا أمام كمّ الجرائم المرتكبة منذ بدء العدوان، لكن الانتقال من الإنكار إلى التبنّي يطرح أسئلة أخرى، قد تكون أخطر في العمق: ماذا يعني أن يصبح الصحافيون والمسعفون وغيرهم قابلين للإدراج ضمن سردية "الهدف المشروع"؟ وما الذي يكشفه ذلك عن مرحلة جديدة تحاول فيها إسرائيل أن تتجاوز الخط الأحمر، ثم تشرح تجاوزه لا أن تنكره؟

ماذا يعني إعلان اغتيال الصحافي؟

في الحروب السابقة، كانت إسرائيل تميل في كثير من الأحيان إلى المواربة عند سقوط صحافيين أو مدنيين، فتتحدث تارة عن "خطأ"، وطورًا عن "ضرر جانبي"، كما تتذرع بوجود "هدف عسكري" لم يتضح محيطه، حتى إنها كانت تلجأ أحيانًا إلى "الاعتذار"، بالتوازي مع إعلان فتح تحقيق لكشف الملابسات، في ما كان يُعدّ مخرجًا سياسيًا لها.

لكن ما جرى مع استهداف الصحافي الميداني علي شعيب بدا مختلفًا، وإن كانت له سوابق في قطاع غزة. فهذه المرة، لم تجد إسرائيل حرجًا في تبنّي الاغتيال، بل والتبجّح بذلك، بوصفه "إنجازًا عسكريًا"، ولو أن الوصول إلى الرجل قد يكون من أسهل المهام، بحكم عمله مراسلًا يتنقل بين القرى والبلدات. ولعلّ أخطر ما في هذا الأمر هو ما ينطوي عليه هذا التبنّي، ليس فقط في ارتكاب المحظور، ولكن أيضًا في محاولة إكسابه شرعية خطابية.

عمليًا، توجّه إسرائيل من خلال استهداف المراسل علي شعيب، ومعه الزملاء في قناة "الميادين"، رسالة ردع إلى كل صحافي. وبالتالي، فهي تهدف إلى كسر "الحصانة النفسية" قبل القانونية لهذه الفئة. فإسرائيل تشرّع لنفسها، بكل بساطة، قتل شعيب بعدما ادّعت وجود صلة بينه وبين "​حزب الله​"، أي إن الادّعاء الإسرائيلي يكفي لنزع صفة الصحافي عن أي شخص، وتحويله إلى "هدف مشروع"، وفق منطق الغاب الذي تقوده وسط صمت العالم وعجزه.

لماذا المسعف والصحافي؟

وما يسري على الصحافيين يسري أيضًا على المسعفين، وكلاهما يفترض أن يكون محصّنًا بموجب ​القانون الدولي الإنساني​، الذي ينص على أن الصحافيين يتمتعون بحماية المدنيين ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، كما أن الطواقم الطبية والرعاية الصحية يجب احترامها وحمايتها في جميع الظروف، وفق كل المواثيق والأعراف، وهو ما لا تكلّ إسرائيل عن التمادي في انتهاكه مرّة بعد مرّة.

بهذا المعنى، لا تعود الجريمة محصورة في قتل شخص، بل تمتد إلى إعادة تعريف من هو المستهدف أصلًا، حتى يصبح تعريف المدني نفسه هشًا. وعندها، لا يعود الخطر محصورًا في الميدان، بل يطال الفكرة التي يقوم عليها أي قانون للحرب، أي التمييز بين المقاتل والمدني، بين الخصم والشاهد، بين المعركة ومن يوثقها.

لذلك، لا يبدو الربط بين استهداف الصحافيين والمسعفين مجرد تزامن، إذ يكشف منطقًا أعمق، يتقاطع مع استراتيجية "عزل الميدان". فالصحافي هو العين التي توثّق، وبقتله تُفرغ الحرب من شهودها، والمسعف هو الرئة، وبقتله يُحرَم المجتمع من الحد الأدنى من الصمود أو التشبث بالحياة. وبقتل الصحافي والمسعف معًا، تبدو الرسالة أوضح: من يبقى في الميدان لينقل قد يُقتل، ومن يبقَى فيه ليسعف قد يُقتل أيضًا، أي إن الحرب لا تريد فقط أن تنتصر بالنار، بل أن تتحكم أيضًا بالصورة التي تخرج من تحت النار، وبمن ينجو منها أو يساعد على النجاة منها.

من خرق المحظور إلى شرعنته

مع توسيع العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني بقرار سياسي وتغطية أمنية مشددة، تراهن إسرائيل على اعتياد العالم على هذه التجاوزات، خصوصًا إذا أصبح استهداف الصحافيين والمسعفين جزءًا من مناخ عسكري وسياسي أكبر، أقل اكتراثًا بالكلفة القانونية والأخلاقية، وأكثر استعدادًا لفرض قواعده الخاصة.

في هذا المناخ، لا يعود المهم فقط ما إذا كانت إسرائيل قد خرقت القانون، بل ما إذا كانت باتت تتصرف على قاعدة أن خرقه قابل للتسويق، وأن التبرير كافٍ لتجاوز المحاسبة. وهنا تكمن فكرة "شرعنة المحظور". فإسرائيل التي شرّعت لنفسها سابقًا :"حرية الحركة: في لبنان رغم اتافاق وقف إطللاق النار، تشرّع لنفسها اليوم اللحق بتحديد من هو المدني ومن هو الهدف، وأن الاتهام يكفي لإسقاط الحماية.

بهذا المعنى، تحاول إلإسرائيل فرض منطق قانوني وأخلاقي خاص بها. فالهدف النهائي ليس الفتك بالأفراد فقط، بل تحطيم الخطوط الحمراء القديمة وبناء خطوط جديدة بالنار. المشكلة إذًا لم تعد في أن المحظور يُرتكب، بل في أنه يُقدَّم كأنه قابل للتفسير، بل وللتطبيع. وهذا أخطر بكثير من الجريمة ذاتها، لأنه لا يكتفي بإنتاج الدم، بل يحاول إنتاج شرعيته أيضًا.

في المحصلة، لا تكمن خطورة المشهد فقط في أنّ صحافيًا اغتيل وأُعلن اغتياله بالاسم، ولا في أنّ مسعفين سقطوا في هجمات متكررة، بل في أن إسرائيل تبدو كأنها تختبر، مرة بعد مرة، قدرتها على تجاوز الخط الأحمر ثم المضي من دون كلفة رادعة. وبين استهداف الصحافي واستهداف المسعف، لا تخرق إسرائيل المحظورات فحسب، بل تحاول أن تجعل من خرقها أمرًا قابلًا للشرح والتسويغ وربما للتطبيع. وإذا كان من يوثّق الحرب ومن يسعف ضحاياها باتا هدفين محتملين، فماذا يبقى فعلًا من قواعد الحرب التي يدّعي العالم أنه يعرفها؟.