لبنان​ُ ضَرورَةٌ؟

بَل ضَرورَةُ الحاجَةِ لِذاتِها.

قَد تَهيمُ بِهِ وَتَعشَقُهُ، هوَ قُوَّتُكَ.

قَد تَرميهِ بِاللامُبالاةِ، وَتَرمُقُهُ بِإنتِحارِ العَجزِ، هوَ قُوَّتُكَ.

قَد تَنكُرُهُ سَبعينَ مَرَّةً سَبعَ مَرَّاتٍ، وَتَنبُذُهُ وَتَستَبدِلُهُ بِشَبيهاتِ هَوِيَّاتٍ، هوَ قُوَّتُكَ.

هوَ لَيسَ بِوَثَنِ ذاتٍ، وَما إزدَرَت قُوَّتُهُ النورَ الآتيَ إلَيها مِن فَوقٍ، مِن حَيثُ إنحَدَرَت الى قَلبِ أرضٍ تَعَملَقَت بِها.

هيَ تِلكَ فَضيلَتُهُ: أن يَكونَ ذَبيحَةً مُنسَحِقَةً، مُنكَسِرَةً مِن سَماءٍ الى أرضٍ، مِن أوَّلِ ​التاريخ​ِ الى آخِرِهِ. مِن أوَّلِ بِناءِ تاريخٍ الى آخِرِهِ. مِن أوَّلِ حُكمٍ عَلى التاريخِ الى آخِرِهِ. مِن دونِها، تِلكَ ​الضَرورَة​ُ-الفَضيلَةُ، التاريخُ إحتِكارُ نَظَراتٍ قَومِيَّةٍ، ماركسِيَّةٍ، مادِيَّةٍ، هيغيلِيَّةٍ مُغرِقَةٍ في العَقلانِيَّةِ الجافَّةِ، تَنويرِيَّةٍ لَهوفَةٍ بِالتَطَوُّرِ وأشباهِهِ المُتَفَلِّتَةِ، دينِيَّةٍ مُتَزَمِّتَةٍ بِتَشَبُّثِ الأحادِيَّاتِ الراجِمَةِ.

بَعضُ مُسلِميهِ هَذا الُلبنانُ، لا يَزالُ يَحِنٌّ الى "​مؤتَمَرِ الساحِلِ والأقضِيَةِ الأربَعَةِ​" ‒وَسَوابِقِهِ وَلواحِقِهِ‒، الذي عُقِدَ في المصَيطَبَةِ بِبَيروتَ، سَنَةَ 1936، مُطالِباً بِإقامَةِ "وِحدَةِ الديارِ الشامِيَّةِ". وَبَعضُهُ آخَرُ غِوايَتُهُ "​مؤتَمَرُ وادي الحُجَيرِ​" في الجَنوبِ، سَنَةَ 1920، لِإطلاقِ المُقاوَمَةِ ضِدَّ الإستِعمارِ وَتَقَسيمِ الوَطَنِ العَرَبيّ، وَدَعماً لِلحُكمِ العَرَبيّ الشامِلِ.

وَبَعضُ مَسيحيِّيهِ تَمادوا في التَفَرُّدِ بِتأليهِ الذاتِ، حَدَّ بُلوغِ التَقاتُلِ الأخَويّ النافيَ لِحَقيقَةِ المَسيحِيَّةِ والمُنافيَ لإسهابِ الضَرورَةِ-لبنانَ.

هُمُ، فُرادى وَمُتَفَرِّدينَ، مُسلِميهِ وَمَسيحيِّيهِ، لَيسَ أنَّهُم ما رأوا الخَطَرَ الداهِمَ إلَيهِمِ مِن نَقيضِهِ، بَل إستَجلَبوهُ مِن كُلِّ داخِلٍ وَكُلِّ خارِجٍ، وَراحوا يُقامِرونَ بِهِ وَيَتَقاذَفونَهُ تِجاهَ بَعضِهِمِ البَعضِ أثَراً بَعدَ بأسٍ... وَلا يَزالونَ. بِدَمِهِ أَلْعَلَيهِمِ وَعَلى أبنائِهِمِ.

وَلبنانُ-الضَرورَةُ؟

وَحدَهُ الكَبيرُ البَطرِيَركُ الياس الحوَيِّك رَفَعَهُ قوَّةً في مُعتَرَكِ التاريخِ، قوَّةً مَصقولَةً في الكيانِيََةِ المُتأصِّلَةِ فيهِ، مِن إنكِسارِ السَماءِ نَحوَ الأرضِ وَإنكِسارِ الأرضِ نَحوَ السَماءِ. أرهَفَها وَعَمَّقَها. وَمِنَ العُمقِ الى المَصيرِيَّةِ نادى بِها، أصَّرَ عَلَيها، في تَعايُشِهِ وَأقسى المُعاناةِ: تَجويعُ شَعبِهِ، إبادَتُهُ، فَنَالَهُ تاريخاً لِتاريخٍ. تَداخُلاً مُحَتَّماً وَمُتَفاعِلاً بَينَ السَماءِ والأرضِ، لِرِفعَةِ الإنسانِ... مِن ذَبيحَةٍ الى مَذبَحٍ.

الخَصبُ الداحِضُ

أجَل! ها هوَذا لبنانُ الضَرورَةُ الَذي لِأجلِهِ، وَبِهِ، وَمَعَهُ، تَعَملَقَت قَداسَةُ البَطريَركِ الكَبيرِ.

هوَ شاءَهُ خَصباً لامُتَناهِياً، داحِضاً أسبابَ السُقوطِ مِن داخِلٍ والإنسياقَ-السَاحِقَ لِأيِّ خارِجٍ.

هوَ أقامَ مُصالَحَةَ الجُغرافيا في تَتالي التاريخِ مَعَ المِعنى: مُصالَحَةَ الثَلجِ المُقيمِ مَعَ البَحرِ القائِمِ، السَهلَ المُنبَسِطَ مَعَ الجَبَلِ المُرتَقي قِمَماً. مُصالَحَةً مَعَ الثَباتِ جُذوراً، لا التَفَلُّتَ هُروباً والتَواريَ خُنوعاً.

هوَ جَعَلَ المَسيحِيِّينَ فيهِ حُماةَ المُسلِمينَ مِنَ الأنظِمَةِ الكُلِيَّةِ الإستِبدادِيَّةِ ‒هِوايَةِ الشَرقِ، وَنَكبَتِهِ‒، مُعلياً ضَمانَةَ المَسيحيِّينَ في حاجَةِ المُسلِمينَ لَهُم وَضَمانَةَ المُسلِمينَ في حاجَةِ المَسيحيِّينَ لَهُم.

أبَعدُ، خَصبُ لبنانَ داحِضٌ بِالضَرورَةِ كُلَّ زَوالٍ بِمَوتٍ؟

في ذاكَ الإلتِقاءِ-الذُروَةِ بَينَ إنكِسارَينِ-قوَّتَينِ: السَماءُ وأرضٌ، في عِناقِ اللامُتَناهي والمُتَناهي، هوَ المُنتَهى الحَرِجُ، الفَيضُ الكيانِيُّ المُجتاحُ كُلَّ إنهِزامٍ، وَإستِسلامٍ، وَعَجزٍ، وَإقصاءٍ، وَتَهافُتِ تآمُرٍ... كُلَّما فاحَ مَوتٌ في عالَمٍ، لِيَغدوَ جَلالَ قَبضَةِ تَغيِّيرٍ كَونيٍّ. قَبضَةَ تَجَلٍّ تَقلِبُ مَوازينَ القِوى، فَلا السَطوَةُ بَعدُ لِتَفَلُّتِ إستِعلاءٍ، وَلا السَيطَرَةُ بَعدُ لِمُكابَرَةٍ-نُكرانٍ، وَلا اللاعَدالَةُ لِحُكمِ قَضاءٍ.

في تِلكَ الذُروَةِ-الإلتِقاءِ: لبنانُ-ضَرورَةُ-الخَصبِ-الداحِضِ واقِفٌ جِسراً فَوقَ هاوياتِ العالَمِ وَمَهاويَ التاريخِ: إلتِماسَ الوَحيدِ بَينَ المُطلَقِ الإلَهيّ والنِسبيّ الإنسانيّ، لا ضَحِيَّةً بِسُكونِ وِحشَةِ السَلبِيَّةِ العازِلَةِ-المُنعَزِلَةِ. النافِيَةِ-المَنفِيَّةِ.

لبنانُ الضَرورَةُ!

العَتَبَةُ القُصوى؟ ذُروَةُ التَحَرُّرِ؟

بَل حاجَةُ الضَرورَةِ لِذاتِها.