في لحظة إقليمية معقدة، لا بل مفصلية، لم يعد ملف سلاح حزب الله في لبنان قابلاً للمعالجة عبر الشعارات أو الطروحات التي أثبتت التجربة محدوديتها. فبعد سنوات من المواجهات والضغوط المتراكمة، وبعد تعقيدات وتشابك يكاد ان يكون غير قابل للحل، يتجه النقاش نحو صيغة أكثر واقعية تقوم على "حصر السلاح" بدل نزعه -خصوصاً وان الكلام عن تسليمه لا مكان له على طاولة البحث- وهي المقاربة التي عمل عليها السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى ضمن رؤية أوسع لإعادة ضبط التوازن الداخلي.
هذا التحول لم يكن ابن ساعته، بل هو نتيجة مسار طويل أظهر عجز الخيار العسكري عن تحقيق أهدافه. فمنذ حرب تموز 2006 وما تلاها من جولات تصعيد، وصولاً الى الحرب الاخيرة التي استباحت فيها كل المحرمات، لم تنجح اسرائيل في فرض نزع السلاح بالقوة، بل ساهمت تلك المواجهات في تكريس موقع الحزب وتعزيز مفهوم الردع في بيئته. بذلك، خرج الخيار العسكري عملياً من دائرة الحلول المطروحة، ليس فقط بسبب كلفته المرتفعة، بل أيضاً بسبب نتائجه المعاكسة.
بالتوازي، يبرز مسار سياسي جديد مع التحضير لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، عقب اللقاء الأول في واشنطن الذي جمع سفيري البلدين بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. هذه الخطوة التي اتت اسرع مما كان متوقعاً، تعكس انتقالاً من المواجهة المفتوحة إلى إدارة النزاع عبر قنوات تفاوضية، تصل الى ابرام اتفاق سلام، على عكس ما كانت عليه الامور منذ عقود من الزمن حيث كان لبنان يؤكد انه سيكون "آخر الموقعين على اتفاق مع اسرائيل"، فيما الواقع يظهر ان هذه المقولة باتت من الماضي.
ان اعادة استقرار الوضع على الحدود الجنوبية في ظل اي تفاهم/تسوية/اتفاق، من شأنه تقليص المبررات الأمنية التي يستند إليها الحزب للاحتفاظ بسلاحه خارج مؤسسات الدولة، فأي تقدم في التهدئة سينعكس تلقائياً على فرص "ازاحة" هذا التهديد عن الساحة. بمعنى ان السلاح (والحديث طبعا عن الاسلحة الثقيلة والمسيّرات وغيرها من الاسلحة القادرة على الوصول الى مستوطنات الشمال والعمق الاسرائيلي)، سيبقى موجوداً انما ضمن شروط قاسية لاستخدامه ووفق ضمانات عالية من دول اقليمية ودولية تحدد سبل استعماله، واماكن حفظه، وعدم المس به. ولا شك ان المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وايران، رغم تعقيدها، تلقي بظلالها على الساحة اللبنانية. إذ إن أي تفاهم، حتى لو كان محدوداً، من شأنه خفض التوتر وفتح المجال أمام تسويات اخرى في الداخل والخارج أكثر قابلية للحياة.
في هذا الإطار، تبرز إيران كطرف مؤثر في قرار الحزب المتعلق بطهران قلباً وقالباً، وعليه، فإن الموقف الإيراني حاسم لجهة جواب حزب الله على هذا الطرح او غيره، وبالتالي فإن أي تقدم في الحوار الأميركي–الإيراني سينعكس تشجيع خطوات تدريجية لتطبيق حصر السلاح في يد الدولة اللبنانية.
ولا يمكن اغفال نقطة مهمة، وهي ان نجاح هذا المسار، يحتاج الى مقاربة داخلية متماسكة، تبدأ بإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرات الجيش، وصياغة استراتيجية دفاعية واضحة تحدد موقع كل قوة مسلحة ضمن إطار شرعي موحد. ولكن الحديث عن هذه الامور في الوقت الراهن قد يكون سابقاً لاوانه، فمستوى الثقة بين القوى السياسية ضعيف، والانقسامات لا تزال حادة، كما أن أي انتكاسة إقليمية قد تعيد خلط الأوراق. وحتى الآن، تبقى فكرة "حصر السلاح" الأكثر قابلية للتطبيق بين الخيارات المتاحة، لأنها تنطلق من موازين القوى القائمة بدلاً من تجاهلها، وتسعى إلى تنظيمها ضمن إطار الدولة. وهي، وإن كانت انتقالية، تفتح الباب أمام تحول تدريجي في بنية النظام.




















































