على الرغم من أن سياسات العقوبات الأميركية تجاه بعض الشخصيات اللبنانية ليست بالجديدة، إلا أن تلك التي أعلنت، أول من أمس، طُرحت حولها الكثير من علامات الاستفهام، سواء لناحية التوقيت أو من حيث المضمون، بسبب الرسائل، المباشرة وغير المباشرة، التي تتضمنها، في ظل الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة، في المرحلة الراهنة، على مستوى رعاية التسوية المحتملة بين بيروت وتل أبيب.
من حيث المبدأ، لم يكن مفاجئاً أن تطال العقوبات نواباً من "حزب الله"، إلا أن ما ينبغي التوقف عنده هو تلك العقوبات التي طالت شخصيات مقربة من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بالإضافة إلى ضابطين لبنانيين، الأول في مخابرات الجيش والثاني في الأمن العام، على اعتبار أنها تحمل في طياتها إشارة إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعامل مع الساحة اللبنانية.
في هذا السياق، تشير مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى أنه لا يمكن، على صعيد التوقيت، تجاهل مسار المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، الذي تتولى الولايات المتحدة رعايته، حيث تتجه الأنظار إلى المسار الأمني، الذي من المفترض أن ينطلق في 29 الشهر الحالي في البنتاغون، كجزء من المسار السياسي أيضاً، موضحة أن واشنطن أرادت أن توجه رسالة بأنها لن تتساهل في أي جهة من الممكن أن تعرقل ما تقوم به من خطوات.
هنا، تلفت هذه المصادر إلى أن رئيس المجلس النيابي يعتبر من أبرز الشخصيات التي تعارض المفاوضات المباشرة، بالإضافة إلى "حزب الله"، لا بل كان قد أكد، في أكثر من مناسبة، الرهان على المفاوضات الأميركية الإيرانية التي تتم بوساطة باكستانية، معتبرة أن الولايات المتحدة، التي تدرك جيداً دور بري في الحياة السياسية اللبنانية، تسعى إلى الضغط عليه من خلال هذه العقوبات، بعد أن فشلت، في الأيام الماضية، النماذج الأخرى من محاولة الإقناع، التي تولى السفير في بيروت ميشال عيسى جزءاً رئيسياً منها.
بالنسبة إلى العقوبات على الضابطين في الجيش والأمن العام، ترى المصادر نفسها أن عنوانها الرئيسي يتعلق بالطروحات الأميركية، حول دور المؤسسات العسكرية والأمنية في المرحلة المقبلة، حيث كان وزير الخارجية ماركو روبيو واضحاً حين أشار إلى أن بلاده تعمل على إنشاء "نظام فعال" يتيح للجيش "تلقي التدريب والتجهيز اللازمين لتفكيك حزب الله"، موضحاً أن الخطة تقوم على "تمكين وحدات معتمدة داخل الجيش"، ومنحها "القدرة على العمل ضد عناصر حزب الله وتفكيكها".
انطلاقاً من هذا المنظار، تصبح قراءة هذه العقوبات بالغة الخطورة، لا سيما أن ليس هناك من جهة أخرى، إقليمية أو دولية، شريكة لواشنطن في رعاية المفاوضات بين بيروت وتل أبيب، إذ ترى واشنطن أنه لا خيار بديل عنها، في حين أن إسرائيل لا تُظهر أي رغبة في التعاون لتسهيل الوصول إلى نتائج عملية، بل تريدها بوابةً لتحقيق أهدافها في الساحة اللبنانية.
هنا، تذهب مصادر نيابية، عبر "النشرة"، إلى التأكيد أن ما حصل ينسجم مع معادلة التعامل مع لبنان، على أساس أنه لا يملك أي أوراق قوة في المفاوضات، بل إن المطلوب منه التعاون وفق الرؤية التي تعتبر أن سلاح "حزب الله" أزمة مشتركة مع إسرائيل، من منطلق السعي إلى الفصل بين الدولة والحزب، والترويج لسردية أن الحرب مع "حزب الله" فقط، وتضيف: "هذا هو المسار الذي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرضه، بغض النظر عن موقف الدولة، التي تعلن عن أولويات أخرى لديها".
في المحصلة، تشدد هذه المصادر على أن الخطورة الأكبر تبقى في رسائل العقوبات على الضابطين اللبنانيين، على اعتبار أنها لا تنفصل عن مجموعة من الاتهامات، شاركت في الترويج لها جهات محلية، برزت في السنوات الماضية، لكن اليوم يراد الاستثمار فيها على نطاق واسع، ضمن هدف واحد، هو السعي إلى إحداث صدام داخلي، أو تغيير عقيدة الأجهزة العسكرية والأمنية في البلاد، وتضيف: "العودة إلى مناقشات الكونغرس، في كل مرة كانت تبحث فيها مسألة المساعدات التي تقدم إلى تلك الأجهزة، تؤكد أن هذا الهدف ليس جديداً".






















































