يعبِّر الفنُّ الإيقونغرافيُّ عن حدث القيامة المجيد من خلال تصويرين أساسيَّين: الأوَّل ما يعرف بمشهد القبر الفارغ ومجيء حاملات الطيب باكرًا جدًّا يوم الأحد إلى القبر، حيث كان جسد الربِّ يسوع المسيح الطاهر مضطجعًا ووجدن القبر فارغًا، وحيث ظهور الربِّ لهنَّ. هذا التصوير هو الأقدم في الكنيسة وموجود منذ بدايات القرن الخامس الميلاديِّ[1] على لوحات عاجيَّة ونقوش وفسيفساء (في رافينا) ورسومات (إنجيل رابولا السريانيّ 586م)، بالإضافة إلى أيقونة شهيرة من القرن السابع الميلاديِّ، موجودة في دير القدِّيسة كاترينا في سيناء. المشهد الأوَّل هو بمثابة اكتشاف للقيامة كما تذكر الأناجيل الأربعة مع تنوُّع في التفاصيل.
أمَّا المشهد الثاني فهو خلاص البشريَّة في القيامة، ويسمَّى نزول الربِّ إلى الجحيم ليحرِّرهم ويعلن لهم النصر. المقصود بكلمة الجحيم هو «الهاوية» أو «عالم الأموات» (عبارة شيول Sheol في العبريَّة يعادلها تقريبًا هاديس في اليونانيَّةHades ) وليس مكان العقاب والدينونة والعذاب (كلمة جحيم عربيَّة تصف النار في جهنَّم). وكلمة «جهنَّم» مأخوذة من التسمية Ge Ben-Hinnom وادي ابن هنُّوم الَّتي أصبحت في اليونانيَّة Gehenna وهو المكان المرتبط تاريخيًّا بالوثنيَّة وتختصر وادي هنُّوم. كذلك كانت تحرق فيه النفايات لكونه خارج المدينة. وهناك ارتباط في العمق مع صلب الربِّ خارج أسوار المدينة – خارج الباب، لأنَّ كل ما هو مرفوض أو محكوم عليه يكون خارج المدينة. فداخل المدينة مكان الهيكل، هو مكان الطهارة والقبول، أمَّا خارجها فهو مكان العار والرفض.

أيًّا تكن التسميات البيبليَّة، يبقى المقصود والجوهر والأهمُّ كما نقول في تقاريظ الجنَّاز يوم الجمعة العظيم: «انحدرت إلى الأرض لكي تخلِّص آدم ولمَّا لم تجده فيها أيُّها السيِّد انحدرت إلى الجحيم تلتمسه» (كتاب التريودي). تلتمسه أي تخلِّصه. يمثِّلُ آدم هنا البشريَّة كلَّها.
طبعًا، لا نشاهد المشهد بأعيُننا الترابيَّة ولكن نستدلُّ عليه من خلال ما ذكره بولس الرسول: «فما هو (المسيح) إلَّا إنَّه نزل أيضًا أوَّلًا إلى أقسام الأرض السفلى» (أفسس 4: 9). كذلك بطرس الرسول قال: «ذهب (المسيح) فكرز للأرواح الَّتي في السجن» (1 بطرس 3 :19) وقال أيضًا: «فإنَّه لأجل هذا بُشِّرَ الموتى أيضًا» (1 بطرس 4: 6).
تفاصيل تصوير مشهد نزول الربِّ إلى العالم السفليِّ[2] (enfer – infernal) نقرأها في إنجيل نيقوديمس المنحول (أعمال بيلاطس)، هو من الأناجيل المنحولة (منحول أي منسوب زورًا أو غير أصيل - apocryphe: مستور – مخفيّ) وهو ليس من كتابة بيلاطس أو نيقوديموس فعليًّا، ويعود إلى القرن الرابع – الخامس الميلاديِّ.
ليس مستغربًا أن تأخذ الكنيسة بعض الأحداث والتفاصيل من هذا الإنجيل المنحول ومن غيره مثل إنجيل يعقوب المنحول (حول والدة الإله) إذا كان ما ذكر فيه لا يخالف الإيمان المستقيم الَّذي تسلَّمناه من الربِّ بواسطة الرسل الأطهار، ومحافَظًا عليه بالروح القدس.
يروي إنجيل نيقوديموس نزول المسيح إلى عالم الأموات وهزيمة الشيطان وتحطيم يسوع أبواب الجحيم والسلاسل والأقفال وتحريره الأبرار (ابتداءً من آدم وحوَّاء مرورًا بهابيل ونوح وابراهيم واسحق ويعقوب وموسى والأنبياء وداود وسليمان وغيرهم، وصولًا إلى القدِّيس يوحنَّا المعمدان) الَّذين رقدوا. فنراه يقول: وفيما كان الربُّ يسوع المسيح ينزل إلى الهاوية، ارتجفت الظلمة وكلُّ قوى الموت. وتزعزعت أسس العالم السفليِّ، وانكسرت أبواب النحاس، وتكسَّرت قضبان الحديد. وقالت الهاوية في اضطراب: «من هو هذا الَّذي يدخل إلى موضعنا بلا خطيئة؟»، فأجابت قوى الظلمة بعضها بعضًا: «أغلقوا الأبواب، لا يدخل هذا الَّذي لا يشبهنا». فجاء صوت كالرعد من فوق قائلًا: «ارفعوا أبوابكم أيُّها الرؤساء، وانفتحي أيُّها الأبواب الأبديَّة».

وقالت الهاوية«من هو هذا ملك المجد الَّذي يأتي إلينا؟» فأُجيبت: «الربُّ القويُّ الجبَّار، الربُّ الجبَّار في القتال، هو ملك المجد». عندئذٍ انكسرت الأبواب النحاسيَّة، وتحطَّمت القضبان الحديديَّة، وتهاوت سلاسل الأسرى. ودخل المسيح إلى الهاوية كملك لا كسجين، بل كغالب وسيِّد. وأشرق نوره في الظلمة، فهربت قوى الموت من حضوره. ونادى قائلًا: «تعالوا إليَّ، يا جميع القدِّيسين، يا من على صورتي ومثالي». وسمع آدم الصوت، فارتعد وقال«هذا هو الصوت الَّذي سمعته في الفردوس».
وقال لجميع الأبرار: «هذا هو الربُّ الَّذي وعدنا بالخلاص». فمدَّ المسيح يده إلى آدم، وأمسكه وأخرجه من موضع الموت. وأقامه من السقوط، وألبسه نور القيامة. وخرج معه جميع الأبرار. وقالت الهاوية بصوت حزين: «ويل لي! لقد ابتلعت إنسانًا، فوجدته إلهًا». وقالت: «دخل إليَّ كميت، وخرج كحياة لا تموت». وقال الشيطان: «لقد خُدعت، ظننت أنَّه بشر، فإذا به محطِّم الموت». فأبطل المسيح سلطان الموت، وفتح أبواب الأسر، وأخرج الَّذين كانوا في الرجاء. وملك على الأحياء والأموات، وله المجد إلى الأبد.
في الخلاصة، نشاهد الربَّ يقف في الوسط يرفع آدم وحوَّاء من معصميهما لأنَّه صاحب القوَّة والسلطان ولا يستطيع أيُّ أحد منَّا أن يخلِّص نفسه دون الله.
فيا ربُّ أقمنا معك إلى الحياة الأبديَّة.
إلى الربِّ نطلب.
[1].https://www.elnashra.com/news/show/1721532
[2]. Ἡ Εἰς Ἅδου Κάθοδος τοῦ Χριστοῦ


















































