أعلنت ​الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان​ المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، في بيان، أنها وجهت "كتابا رسميا إلى رئيس مجلس الوزراء ​نواف سلام​، على ضوء ما صدر عن جلسة المجلس المنعقدة بتاريخ 23 نيسان 2026، لا سيما ما أعلنه نائب رئيس مجلس الوزراء ​طارق متري​ بشأن إعداد تقرير مفصل يوثق جرائم الحرب و​الجرائم ضد الإنسانية​ المرتكبة في ​لبنان​، تمهيدا لرفعه إلى هيئات دولية، وطلب عقد جلسة خاصة ل​مجلس حقوق الإنسان​، إضافة إلى طرح مسألة قبول اختصاص ​المحكمة الجنائية الدولية​".

وأكدت الهيئة في كتابها أن "التوجه نحو إعداد تقرير مفصل ومدعم بالأدلة والشهادات يشكل خطوة أساسية في مسار توثيق الانتهاكات الجسيمة، غير أن فاعليته القانونية تبقى رهنا بمدى الالتزام الصارم بالمعايير الدولية في جمع الأدلة وتحليلها، بما يضمن أن يكون التوثيق ملفا قانونيا متكاملا قابلا للاستخدام أمام جهات التحقيق والقضاء الوطنية والدولية، وليس مجرد توصيف للوقائع".

ودعت إلى "ضرورة احترام قرار مجلس الوزراء رقم 4-3 عام 2026، لا سيما لجهة التنسيق والتعاون الكامل بين اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان"، مشيرة إلى أن "هذا التعاون لم يترجم حتى الآن على أرض الواقع رغم الطلبات المتكررة التي تقدمت بها الهيئة، بما يستدعي تدخلا مباشرا لتفعيل هذا المسار".

وشددت على "ضرورة اعتماد منهجيات دقيقة في التوثيق الجنائي، وفي مقدمها إجراء الفحوص الطبية الشرعية وضمان سلامة سلسلة حفظ الأدلة وربط الوقائع بالمسؤوليات الفردية"، كاشفة في هذا السياق أنه، "رغم سقوط أعداد كبيرة من الضحايا منذ بدء ​العدوان​، لم يطلب من الأطباء الشرعيين إجراء أي كشف على الجثامين لتحديد طبيعة الإصابات أو نوع الأسلحة المستخدمة، حيث يتم دفن الضحايا وإعلان وفاتهم دون توثيق طبي جنائي، باستثناء حالات محدودة تتعلق بأجانب"، معتبرة أن "هذا القصور يشكل خللا جسيما في منظومة ​العدالة الجنائية​ وانتهاكا لواجب الدولة في إجراء تحقيقات فعالة في حالات القتل، ويقوض إمكانية جمع الأدلة الجنائية وحفظها، ويضعف فرص توثيق الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، كما يحد من قدرة السلطات الوطنية على ملاحقة المسؤولين أو دعم أي مسارات قضائية دولية".

وفي هذا الإطار، أكدت الهيئة "ضرورة إحالة نسخة من التقرير المرتقب إليها لإبداء الرأي الفني والقانوني، استنادا إلى ولايتها بموجب القانون رقم 62/2016، بما يضمن تكامل الأدوار بين المؤسسات الوطنية المعنية وتعزيز القيمة القانونية للتقرير".

وعلى صعيد المسار الدولي، رأت الهيئة أن "عرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان يشكل مدخلا مهما لتدويل القضية، غير أنه لا ينبغي أن يبقى في إطار العرض السياسي، بل يجب أن يستكمل بخطوات عملية تفضي إلى تحقيقات مستقلة ومساءلة فعلية".

كما أبدت الهيئة موقفا متحفظا "إزاء الاكتفاء بإيفاد بعثة من المفوضية السامية لحقوق الإنسان"، معتبرة أن "هذا الإجراء، رغم أهميته، لا يرقى إلى مستوى متطلبات التحقيق في الجرائم الدولية الجسيمة، وقد يشكل بديلا غير كاف عن إنشاء آلية دولية مستقلة، بما يهدد بإضعاف فرص المساءلة الفعلية".

وأكدت أن "أي بعثة تقنية لا يمكن أن تحل محل آلية دولية مستقلة ومحايدة لتقصي الحقائق، تنشأ بقرار عن مجلس حقوق الإنسان وتتمتع بولاية واضحة واستقلال فعلي وصلاحيات تمكنها من إجراء تحقيقات شاملة وفق أعلى المعايير الدولية".

وفي ما يتعلق بمسألة قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، شددت الهيئة على أن "استمرار طرح هذا الخيار دون اتخاذ قرار واضح ينذر بخطر تمييعه، رغم كونه أحد أهم المسارات القانونية المتاحة لمساءلة مرتكبي الجرائم الدولية".

ودعت الهيئة الحكومة إلى "المبادرة دون إبطاء إلى قبول اختصاص المحكمة، استنادا إلى الفقرة الثالثة من المادة 12 من ​نظام روما الأساسي​، من خلال تقديم إعلان رسمي بقبول اختصاصها في التحقيق والملاحقة القضائية لجميع الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ 7 تشرين الأول 2023، مع الالتزام بالتعاون الكامل مع المحكمة وفقا لأحكام النظام"، مؤكدة أن "تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا يتطلب مقاربة وطنية متكاملة تقوم على ​التنسيق المؤسسي​ وتعزيز الشفافية وإشراك الهيئات المستقلة، بما يضمن أن يتحول التقرير المرتقب من وثيقة توصيفية إلى أداة قانونية فاعلة في مسار المساءلة وترسيخ سيادة القانون".