يتم تعريف "الامر الواقع" على انه: ما فُرض من حالةٍ أو وضعٍ فعليٍّ يُتعامل معه كما هو، بغضّ النظر عن مشروعيته. هذا تماماً ما ينطبق على ​اسرائيل​، من وعد بلفور عام 1917 (إعلان من الحكومة البريطانية يؤيد إنشاء "وطن قومي لليهود" في ​فلسطين​، ووعد بدعم الحركة الصهيونية)، حتى العام 1948 الذي شهد انتهاء الانتداب البريطاني وتقسيم مقترح من الأمم المتحدة، وتثبيت اسرائيل وتوسّع سيطرتها على أجزاء من فلسطين.

اليوم، وبعد عقود من الزمن، ها هي اسرائيل غارقة في توسيع اهدافها واحلامها ومحاولة تحويلها الى "امر واقع" جديد، مستفيدة من دعم غير مسبوق من اميركا بعد ان كانت استفادت من دعم مماثل من اوروبا والغرب والامريكيين ايضاً، جعلها تكون من بين الدول التي تمتلك سلاحاً نووياً! هو ​السلاح النووي​ نفسه الذي اقامت اميركا الدنيا من اجل منع حصول ​ايران​ عليه، وهي محقة، ولكن من الحق ايضاً عدم السماح لاسرائيل بامتلاكه، لان الخطر منها لا يقل عن الخطر من ايران في هذا الشأن. اليس من افواه وزرائها ونوابها من المفترض اعتبارهم "نخبة المجتمع الاسرائيلي"، صدرت دعوات الى استعمال السلاح النووي للقضاء على الفلسطينيين وعلى اللبنانيين؟ وما الذي يمنع في المستقبل من صدور هذه الاصوات لتشمل الاوروبيين وربما الاميركيين ايضاً في حال اختلفت الآراء او وجهات النظر؟

امر واقع آخر يفرض نفسه وهو ماذا لو لم يكن ​بنيامين نتنياهو​ رئيساً للوزراء في اسرائيل حالياً، ولم ينجح ​دونالد ترامب​ في الوصول الى البيت الابيض مجدداً، هل كنا امام واقع مختلف؟ رغم أن الإجابة لا يمكن أن تتحول الى يقين، إلا أن قراءة الاتجاهات السياسية والعسكرية تسمح برسم صورة افتراضية أقرب إلى "واقع بديل".

لن يدّعي احد ان غياب هذين الرجلين سيعني حتماً حصول سلام في المنطقة ونهاية صراعات امتدت الى عقود طويلة من الزمن، ولكن ما يمكن توقعه أن القيادة السياسية تلعب دوراً في تحديد سقف العمليات العسكرية ومدتها. وفي غياب حكومة إسرائيلية أكثر تشدداً، كان من المرجح أن تتزايد الضغوط الدولية، خصوصاً من ​الولايات المتحدة​ (في غياب ترامب) وأوروبا، نحو وقف مبكر لإطلاق النار أو تقليص نطاق العمليات. هذا لا ولن يعني يوماً ان الولايات المتحدة ستتخلى عن اسرائيل، ولكن قد تدفعها الى ان تكون اكثر تعقلاً في التعاطي مع الامور.

ومن شبه المؤكد ان غياب ترامب عن البيت الابيض كان سيعني غياب الحرب المباشرة مع ايران، وكان من المرجح أن تعود السياسة الأميركية إلى مقاربة أكثر دبلوماسية، تقوم على احتواء التصعيد بدل دفعه إلى حافة المواجهة المباشرة، ما كان سيقلل احتمالات الانزلاق إلى اشتباك مفتوح بين القوى الكبرى في المنطقة، مع ما يعنيه ذلك من صعوبات كبيرة لدول الخليج واوروبا على حد سواء.

ومن نافل القول انه في لبنان، كنا امام واقع مغاير لما يشهده هذا البلد، ولربما كان تقليص دور ​حزب الله​ اقل تأثيراً، لكن الخسائر البشرية والمادية للبنان كانت اقل بكثير.

في المبدأ من المنصف القول ان غياب ترامب ونتنياهو عن موقع السلطة، كان سيجعل "الستاتيكو نفسه القائم" مجرد امر واقع يجب التعامل معه، ولم نكن حتماً امام سلام دائم وشامل وعادل في المنطقة والعالم، اي بمعنى آخر، كنا في الموقع نفسه انما وسط خسائر بشرية ومادية اقل بكثير، لانه وفق الصورة القائمة حالياً، لن يجد السلام طريقه الى المنطقة، حتى ولو ادعى ترامب ذلك، ففي غزة كما في لبنان، لن يصمد اي اتفاق سلام او تطبيع في غياب النية الاسرائيلية الحقيقية للسلام، وهو الامر المفقود منذ العام 1917 وحتى اليوم، على الرغم من كل الدعم والتأييد والتفوق العسكري وغيره... لن تنعم اسرائيل بالسلام طالما بقيت "امراً واقعاً" وتقوم بما تريده من دون حسيب او رقيب متسلحة بهذه الورقة، ولن تنعم المنطقة بالسلام طالما انها تتعايش مرغمة مع هذا "الامر الواقع".