شارك وزير الزراعة ​نزار هاني​، في المؤتمر الوزاري حول مصايد الأسماك في ​البحر الأبيض المتوسط​، الذي عقد في نيقوسيا في 5 أيار 2026، ضمن إطار ​برنامج MedFish4Ever​، بحضور وزراء وممثلين عن دول المتوسط ومنظمات دولية معنية بإدارة الموارد البحرية. ورافقه مدير التنمية الريفية والثروات الطبيعية في وزارة الزراعة الدكتور ​شادي مهنا​.

ويُعد برنامج MedFish4Ever من أبرز المبادرات الإقليمية الهادفة إلى ضمان استدامة مصايد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط، في ظل مؤشرات مقلقة تفيد بأن نحو 90% من المخزون السمكي في المنطقة يتعرض للاستغلال المفرط، ما يهدد التنوع البيولوجي و​الأمن الغذائي​ وسبل عيش ملايين السكان في الدول الساحلية.

ويهدف البرنامج إلى استعادة المخزون السمكي إلى مستويات مستدامة، وتعزيز ممارسات الصيد المسؤول، وتطوير البحث العلمي وجمع البيانات، إلى جانب مكافحة الصيد غير القانوني، وتعزيز التعاون الإقليمي بين دول المتوسط، نظراً لطبيعة الموارد البحرية المشتركة التي تتطلب إدارة منسقة.

كما يرتكز على حزمة من الإجراءات الأساسية، تشمل تنظيم عمليات الصيد وفق أسس علمية، وتحديد الأحجام الدنيا للمصيد، وفرض فترات منع لحماية مواسم التكاثر، وتعزيز أنظمة المراقبة والتفتيش، وحماية النظم البيئية البحرية، وتوسيع نطاق المناطق البحرية المحمية، إضافة إلى دعم مجتمعات الصيادين وتحسين ظروفهم المعيشية.

وفي كلمته خلال المؤتمر، أكد الوزير هاني "أن قطاع ​الصيد البحري​ في لبنان يواجه تحديات متداخلة، في مقدمتها ​التغيرات المناخية​، والصيد الجائر، والتلوث، ما أدى إلى استنزاف المخزون السمكي وتدهور التنوع البيولوجي، مع تهديد عدد متزايد من الأنواع البحرية بالانقراض، الأمر الذي ينعكس سلباً على معيشة الصيادين واستقرار المجتمعات الساحلية".

وأشار إلى أن "الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان فاقمت هذه التحديات، إذ تسببت بأضرار جسيمة في القطاع الزراعي، مع تراجع الإنتاج الوطني بأكثر من 22%، ما يهدد الأمن الغذائي بشكل مباشر. كما طالت الأضرار قطاع الصيد البحري، حيث دُمّرت مرافئ حيوية، ولا سيما مرفأ الناقورة بشكل كامل، إضافة إلى تضرر مزارع تربية الأسماك، خصوصاً مزارع الترويت في عدد من المناطق".

وأوضح هاني "أن النهوض بقطاع الصيد البحري وتربية الأحياء المائية يتطلب تدخلاً متكاملاً، يبدأ بالدعم الطارئ للصيادين والمربين المتضررين، ويمتد إلى تطوير البنى التحتية، وتحديث التشريعات، وتعزيز الرقابة، وتوسيع المناطق البحرية المحمية".

وأشار إلى "أن وزارة الزراعة، بالتعاون مع شركائها الوطنيين والدوليين، تعمل على تحقيق توازن بين حماية البيئة البحرية ودعم الصيادين، وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال تطوير الأطر القانونية التي تتيح الصيد في أعالي البحار، وتوسيع ​الاستزراع البحري​، وتنويع مصادر دخل الصيادين".

كما أعلن الوزير هاني إنجاز قانون الصيد والاستزراع المائي بالتعاون مع ​الهيئة العامة لمصايد الأسماك​ في البحر المتوسطو​منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة​، والذي أُقرّ في اللجان النيابية، ويهدف إلى حماية التنوع البيولوجي، وتنظيم الصيد، وتعزيز استدامة الموارد السمكية، ودعم الصيادين ببدائل اقتصادية، إضافة إلى تعزيز الرقابة باستخدام التكنولوجيا، وإدخال أطر حديثة لتنظيم الاستزراع البحري.

وأكد هاني أن هذا الإطار التشريعي من شأنه أن يسهم في تعزيز الأمن الغذائي من خلال زيادة الإنتاج السمكي لتلبية الطلب المحلي، وحماية المصايد الطبيعية من الاستنزاف، إلى جانب دعم الاقتصاد المحلي عبر خلق فرص عمل جديدة في قطاع الاستزراع المائي.

وفي ما يتعلق بالاستزراع البحري، شدد الوزير على ضرورة تحديد مناطق مناسبة للاستثمار (AZA) بعيداً عن المواقع الحساسة بيئياً، وهو ما يجري العمل عليه بالتعاون مع الإدارات المحلية وبدعم تقني من الجهات الدولية المختصة، إلى جانب دعم المربين عبر برامج تدريبية وتمويل ميسر لتحسين الإنتاجية.

كما أكد أهمية دعم الصيادين والمجتمعات المحلية عبر التدريب على ممارسات الصيد المستدام، وتأمين بدائل اقتصادية خلال مواسم المنع، مثل الاستزراع البحري والسياحة البيئية، فضلاً عن تحسين ظروف العمل وتحديث المعدات.

ولفت هاني إلى "أن القطاع لا يزال يواجه تحديات عدة، أبرزها الصيد غير القانوني، وضيق مساحة الصيد الفعلية، وتأثيرات التغير المناخي، وازدياد الضغط على الموارد البحرية".

وفي المقابل، طرح مجموعة من الحلول العملية، تشمل تعزيز الرقابة باستخدام التكنولوجيا وتطبيق القوانين بصرامة، وتوسيع نطاق الصيد ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة، وإنشاء محميات بحرية لحماية الموائل الطبيعية، ودعم البحث العلمي لتقييم المخزون السمكي ودراسة تأثيرات التغير المناخي، إضافة إلى إشراك المجتمعات المحلية وتعزيز الحوار بين الصيادين والجهات الرسمية.

ويأتي هذا المؤتمر ضمن مسار إقليمي انطلق عام 2016 مع المؤتمر الوزاري في بروكسل، وتوّج باعتماد إعلان MedFish4Ever في مالطاعام 2017، مروراً بمحطات تقييم وتطوير في مراكش ومالطا، وصولاً إلى ​مؤتمر نيقوسيا 2026​، الذي يهدف إلى وضع أسس العقد المقبل لمصايد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط، تمهيداً لاعتماد خارطة الطريق الجديدة MedFish4Ever II في عام 2027.

وأكد أن حماية الثروة السمكية في البحر الأبيض المتوسط لم تعد خياراً، بل ضرورة ملحّة تتطلب عملاً جماعياً والتزاماً سياسياً جاداً لضمان استدامة الموارد البحرية للأجيال القادمة.