بعد سنوات طويلة، وتحديداً منذ اغتيال رئيس الحكومة الراحل ​رفيق الحريري​ عام 2005، طُرحت معادلة التفاهم السوري-السعودي في لبنان. واليوم، يطرح رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ معادلة جديدة تقوم على التفاهم السعودي-ال​إيران​ي، انطلاقاً من قناعته بأن لبنان لا يستطيع الخروج من أزمته الحالية من دون مظلة إقليمية ودولية تساعد على تثبيت الاستقرار.

وفي هذا السياق، يلفت الانتباه ربط بري حديثه عن التفاهم بين الرياض وطهران بالمظلة الأميركية. غير أن السؤال المطروح هو: هل يمكن الركون إلى معادلة من هذا النوع في الوقت الراهن، ولا سيما بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة عقب تداعيات السابع من تشرين الأول 2023؟

في هذا الإطار، ترى مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، أن هذا الطرح يؤكد مدى تأثر الساحة اللبنانية بالتطورات الإقليمية الكبرى، خصوصاً أن لبنان، منذ عام 2005، كان يعيش إلى حد بعيد على وقع الصراع السعودي الإيراني على النفوذ في المنطقة، وهو ما انعكس في سلسلة من القرارات ​السعودية​ المرتبطة بالملف اللبناني.

وبحسب هذه المصادر، فإن الطرح نفسه، الذي لم يُكتب له النجاح سابقاً، ولا سيما بعد التفاهم السعودي الإيراني برعاية صينية عام 2023، يواجه اليوم تحديات أكبر، خصوصاً في ظل التداعيات التي فرضتها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، بعدما بادرت طهران إلى استهداف مواقع داخل دول خليجية، الأمر الذي انعكس سلباً على موقف تلك الدول من مستقبل العلاقة معها.

وفي ظل هذه الأجواء، لا يمكن تجاهل أن قنوات الاتصال بين الرياض وطهران لا تزال مفتوحة، بهدف متابعة جهود الوساطة الرامية للوصول إلى تسوية عبر المسار ال​باكستان​ي، نظراً إلى أهمية العلاقات بين السعودية وإسلام آباد. وفي الوقت نفسه، تسعى الرياض إلى تجنّب عودة المواجهات العسكرية في المنطقة، مفضّلةً أن تتجه ​الولايات المتحدة​ نحو حلول دبلوماسية مع إيران، لكن وفق شروط ترتبط تحديداً بأمن الخليج واستقراره.

ومن وجهة نظر المصادر نفسها، لم يعد خافياً أن الرياض تنظر بعين الريبة إلى تمدد النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، وترى مصلحة في بناء تحالفات إقليمية توازن هذا النفوذ، ولا سيما مع ​تركيا​ وباكستان، خصوصاً بعد الرسائل التي حملها الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف قيادات من ​حركة حماس​ في العاصمة القطرية ​الدوحة​.

مع ذلك، تؤكد المصادر أن هذا لا يعني أن السعودية قد تفتح الباب أمام إعادة تعزيز النفوذ الإيراني عبر تفاهمات غير مدروسة، إذ إنها لا ترى في ذلك مصلحة لها، بل تعتبر نفسها مستفيدة إلى حد كبير من تراجع هذا النفوذ خلال المرحلة الماضية. لكنها، في المقابل، قد لا تمانع التعاون مع طهران في ما يتعلق بالساحة اللبنانية، بهدف الحفاظ على الاستقرار الداخلي الذي تضعه في صدارة أولوياتها في المرحلة الراهنة.

في المحصلة، ترى المصادر أن هناك نقطة جوهرية لا يمكن تجاهلها، رغم حديث رئيس مجلس النواب عن المظلة الأميركية لأي تفاهم من هذا النوع، تتمثل في الحضور الإسرائيلي وتأثيره المباشر. فمن الطبيعي أن واشنطن لن تقدم على أي خطوة لا تراعي المصالح الإسرائيلية، ما يجعل من الصعب، في الوقت الراهن، حصر معالجة الأزمة اللبنانية بالتفاهم السعودي الإيراني وحده، خلافاً لما كان عليه الوضع قبل سنوات، وتحديداً قبل التحولات الكبرى التي فرضتها أحداث عام 2023.